header_small2
المكتبة المقروءة » التبيان في تفسير القرآن » ص
• الآيات 21-25
- عدد القراءات: 518 - نشر في: 22--2010م

الآيات 21-25

قوله تعالى: ﴿وَهَلْ أَتَاكَ نَبَأُ الْخَصْمِ إِذْ تَسَوَّرُوا الْمِحْرَابَ، إِذْ دَخَلُوا عَلَى دَاوُودَ فَفَزِعَ مِنْهُمْ قَالُوا لَا تَخَفْ خَصْمَانِ بَغَى بَعْضُنَا عَلَى بَعْضٍ فَاحْكُم بَيْنَنَا بِالْحَقِّ وَلَا تُشْطِطْ وَاهْدِنَا إلى سَوَاء الصِّرَاطِ، إِنَّ هَذَا أَخِي لَهُ تِسْعٌ وَتِسْعُونَ نَعْجَةً وَلِيَ نَعْجَةٌ وَاحِدَةٌ فَقَالَ أَكْفِلْنِيهَا وَعَزَّنِي فِي الْخِطَابِ، قَالَ لَقَدْ ظَلَمَكَ بِسُؤَالِ نَعْجَتِكَ إلى نِعَاجِهِ وَإِنَّ كَثِيرًا مِّنْ الْخُلَطَاء لَيَبْغِي بَعْضُهُمْ عَلَى بَعْضٍ إِلاَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ وَقَلِيلٌ مَّا هُمْ وَظَنَّ دَاوُودُ أَنَّمَا فَتَنَّاهُ فَاسْتَغْفَرَ رَبَّهُ وَخَرَّ رَاكِعًا وَأَنَابَ، فَغَفَرْنَا لَهُ ذَلِكَ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ﴾

 

هذا خطاب من الله تعالى لنبيه وصورته صورة الاستفهام والمراد اخباره بما كان من قصة داود من الحكم بين الخصمين وتنبيهه على موضع إخلاله ببعض ما كان ينبغي أن يفعله فقال " وهل أتاك نبأ الخصم " يعني خبره فالنبأ الخبر بما يعظم حاله " إذ تسوروا المحراب " يعني حين صعدوا إليه. والخصم هو المدعي على غيره حقا من الحقوق المنازع له فيه، ويعبر به عن الواحد والاثنين والجماعة بلفظ واحد، لان أصله المصدر، فتقول: رجل خصم، ورجلان خصم، ورجال خصم، ولذلك قال " إذ تسوروا المحراب " لأنه أراد المدعي والمدعى عليه ومن أتبعهما، فلا يمكن أن يتعلق به في أن أقل الجمع اثنان، لما قال " خصمان بغى بعضنا على بعض " لأنه أراد بذلك الفريقين، والخصم من خصمته اخصمه خصما. والتسور الاتيان من جهة السور، يقال تسور فلان الدار إذا أتاها من قبل سورها، وكانوا أتوه من أعلى المحراب، فلذلك فزع منهم، والمحراب مجلس الاشراف الذي يحارب دونه لشرف صاحبه، ومنه سمى المصلي محرابا وموضع القبلة أيضا محراب وقوله " إذ دخلوا على داود ففزع منهم قالوا لا تخف خصمان بغى بعضنا على بعض " معناه إن هؤلاء حين دخلوا على داود من غير الجهة التي اعتاد الدخول عليه منها فزع منهم، لأنه ظنهم أعداء يريدون به سوء فقالوا له (خصمان) ولم يقولا: نحن خصمان يعني فريقان لأنهما كانا ملكين ولم يكونا خصمين ولا بغى أحدهما على الآخر، وإنما هو على المثل " فاحكم بيننا بالحق ولا تشطط " معناه ولا تجاوز الحق ولا تجر ولا تسرف في حكمك بالميل مع أحدهما - على الآخر، يقال أشط في حكمه إذا جار يشط فهو مشط وشططت علي في السوم تشط شططا قال الشاعر:

 

ألا يا لقومي قد اشطت عواذلي * ويزعمن أن اودى بحقي باطلي (1)

 

وقال آخر:

 

يشط غدا دار جيراننا * وللدار بعد غد بعد

 

وقوله " وأهدنا إلى سواء الصراط " معناه أرشدنا إلى قصد الطريق الذي هو طريق الحق ووسطه، كما قال " فاطلع فرآه في سوء الجحيم " (2) ثم حكى تعالى ما مكان أحد الخصمين لصاحبه، فقال " إن هذا أخي له تسع وتسعون نعجة ولي نعجة واحدة " قال وهب بن منية: يعني أخي في ديني وقال أكثر المفسرين انه كنى بالنعاج عن تسع وتسعين امرأة كانت له وان الآخر له نعجة واحدة يعني امرأة واحدة. وقال الحسن: لم يكن له تسع وتسعون امرأة وإنما هو على وجه المثل. وقال أبو مسلم محمد بن بحر الاصفهاني: أراد النعاج بأعيانها، وهو الظاهر غير أنه خالف أقوال المفسرين. وقال هما من ولد آدم، ولم يكونا ملكين وإنما فزع منهما لأنهما دخلا عليه في غير الوقت المعتاد، وهو الظاهر غير أنه خلاف أقوال المفسرين على ما قلناه. وقوله " فقال اكفلنيها " معناه اجعلني كفيلا بها أي ضامنا لأمرها. ومنه قوله " وكفلها زكريا " (3) وقال أبو عبيدة معناه ضمها إليها، وقال ابن عباس وابن مسعود معنى اكفلنيها انزل لي عنها " وعزني في الخطاب " أي غلبني في المخاطبة من قولهم: من عز بز أي من غلب سلب. وقال ابن زيد: معناه قهرني. وقال أبو عبيدة: معناه صار أعز مني، فقال له داود " لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه. وإن كثيرا من الخلطاء ليبغي بعضهم على بعض " ومعناه إن كان الامر على ما تدعيه لقد ظلمك بسؤال نعجتك إلى نعاجه، فأضاف السؤال إلى المفعول به وهي النعجة وإن أضيف إليها. ثم اخبر ان كثيرا من الشركاء والخلطاء ليبغي بعضهم على بعض فيظلمه. وقال أصحابنا: كان موضع الخطيئة أنه قال للخصم لقد ظلمك من غير أن يسأل خصمه عن دعواه وفي آداب القضاء ألا يحكم بشئ ولا يقول حتى يسأل خصمه عن دعوى خصمه، فما أجاب به حكم به. وهذا ترك الندب في ذلك، وفي ذلك قول آخر، وهو إن في الناس من قال: إن ذلك كان صغيرة منه وقعت مكفرة، والشرط الذي ذكرناه لابد فيه، لأنه لا يجوز ان يخبر النبي ان الخصم ظلم صاحبه قبل العلم بذلك على وجه القطع، وإنما يجوز مع تقرير الشرط الذي ذكرناه. ثم استثنى من جملة الخلطاء الذين بعضهم يبغي على بعض الذين آمنوا بالله وعملوا بما يوجب عليهم، فإنهم لا يفعلون ذلك. ثم قال وقليل الذين كذلك، فروي أن الملكين غابا من بين يديه فظن عند ذلك أن الله اختبره بهذه الحكومة وابتلاه. وقرئ (فتناه) بالتخفيف بمعنى أن الملكين فتناه بها. وقال قوم الظن العلم كأنه قال: وعلم داود ذلك وقال آخرون: إنما ظن ظنا قويا وهو الظاهر. وقوله " فاستغفر ربه " معناه سأل الله المغفرة والستر عليه " وخر راكعا وأناب إليه " أي رجع إليه بالتوبة. ثم اخبر تعالى انه أجاب دعوته وغفر له ذلك، وأخبر ان له مع المغفرة عند الله لزلفى، والزلفى القربة من رحمة الله، وثوابه في جنته " وحسن مآب " فالمآب والمرجع والمصير والمال واحد. ومن قال إن ذلك كان صغيرة وقعت مكفرة يقول: معنى قوله " فغفرنا له " بعد الإنابة، وإن كانت الخطيئة غفرت في الدنيا. وقيل: انه خطب امرأة كان أوريا ابن حيان قد خطبها فدخل في سومه، فاختاروه عليه فعاتبه الله على ذلك، لان الأنبياء يتنزهون عن ذلك، وإن كان مباحا لأنه مما ينفر على بعض الوجوه. وقيل: بل انفذ به إلى غزوة، وكان يحب ان يستشهد ليتزوج امرأته لأنهما كانا تحاكما إليه فوقعت امرأته في قلبه واشتهاها شهوة الطباع من غير أن يحدث أمرا قبيحا. وأولى الوجوه ما قدمناه انه ترك الندب في ما يتعلق بأدب القضاء. لان باقي الوجوه ينبغي ان ينزه الأنبياء عنها لأنها تنفر في العادة عن قبول أقوالهم، فأما ما يقول بعض الجهال من القصاص أن داود عشق امرأة أوريا، وأنه امره بأن يخرج إلى الغزو، وأن يتقدم امام التابوت وكان من يتقدم التابوت من شرطه ألا يرجع إلى أن يغلب أو يقتل، فخبر باطل موضوع، وهو مع ذلك خبر واحد لا أصل له ولا يجوز أن تقبل اخبار الآحاد في ما يتضمن في الأنبياء ما لا يجوز على أدون الناس، فان الله نزههم عن هذه المنزلة وأعلى قدرهم عنها. وقد قال الله تعالى " الله يصطفي من الملائكة رسلا ومن الناس " (4) وقال " ولقد اخترناهم على علم على العالمين " (5) فكيف يختار تعالى من يتعشق نساء أصحابه ويعرضهم للقتل من غير استحقاق ولا يجوز مثل هذا على الأنبياء إلا من لا يعرف مقدارهم ولا يعتقد منزلتهم التي خصهم الله فيها نعوذ بالله من سوء التوفيق. وقد روي عن علي عليه السلام أنه قال: لا أوتى برجل يقول إن داود ارتكب فاحشة إلا ضربته حدين أحدهما للقذف والآخر لأجل النبوة. وقرأ ابن مسعود " تسع وتسعون نعجة " أنثى، قال النحويون: هذا تأكيد، كما قال النبي: ابن لبون ذكر، وكما قال " طائر يطير بجناحيه " وقال ابن جرير: معناه تسع وتسعون نعجة أنثى أي حسناء، قال ابن خالويه هذا حسن جدا.



1- مر في 7 / 15.

2- سورة 37 الصافات آية 55.

3- سورة 3 آل عمران آية 37.

4- سورة 22 الحج آية 75.

5- سورة 44 الدخان آية 32.

المـكـتـبـــة المسـمـوعــــة
المـكـتـبـــة المـرئــيــــة

تنويه: آراءُ الكُتَّاب والمؤلّفين ومنقولاتُهم لا تُعبِّر بالضّرورة عن رأي حوزة الهدى للدّراسات الإسلاميّة

عداد الزوار
42330172

مواقع تابعة


إصداراتنا المعروضة للبيع


© 2007-2015 حوزة الهدى للدراسات الإسلامية