header_small2
المكتبة المقروءة » الميزان في تفسير القرآن » ص
• الآيات 30 - 40
- عدد القراءات: 3907 - نشر في: 27--2008م

الآيات 30 - 40

وَوَهَبْنَا لِدَاوُودَ سُلَيْمَانَ نِعْمَ الْعَبْدُ إِنَّهُ أَوَّابٌ ﴿30﴾ إِذْ عُرِضَ عَلَيْهِ بِالْعَشِيِّ الصَّافِنَاتُ الْجِيَادُ ﴿31﴾ فَقَالَ إِنِّي أَحْبَبْتُ حُبَّ الْخَيْرِ عَن ذِكْرِ رَبِّي حَتَّى تَوَارَتْ بِالْحِجَابِ ﴿32﴾ رُدُّوهَا عَلَيَّ فَطَفِقَ مَسْحًا بِالسُّوقِ وَالْأَعْنَاقِ ﴿33﴾ وَلَقَدْ فَتَنَّا سُلَيْمَانَ وَأَلْقَيْنَا عَلَى كُرْسِيِّهِ جَسَدًا ثُمَّ أَنَابَ ﴿34﴾ قَالَ رَبِّ اغْفِرْ لِي وَهَبْ لِي مُلْكًا لَّا يَنبَغِي لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِي إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ ﴿35﴾ فَسَخَّرْنَا لَهُ الرِّيحَ تَجْرِي بِأَمْرِهِ رُخَاء حَيْثُ أَصَابَ ﴿36﴾ وَالشَّيَاطِينَ كُلَّ بَنَّاء وَغَوَّاصٍ ﴿37﴾ وَآخَرِينَ مُقَرَّنِينَ فِي الْأَصْفَادِ ﴿38﴾ هَذَا عَطَاؤُنَا فَامْنُنْ أَوْ أَمْسِكْ بِغَيْرِ حِسَابٍ ﴿39﴾ وَإِنَّ لَهُ عِندَنَا لَزُلْفَى وَحُسْنَ مَآبٍ ﴿40﴾

 

بيان:

القصة الثانية من قصص العباد الأوابين التي أمر النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) أن يصبر ويذكرها.

 

قوله تعالى: ﴿ووهبنا لداود سليمان نعم العبد إنه أواب﴾ أي وهبناه له ولدا والباقي ظاهر مما تقدم.

 

قوله تعالى: ﴿إذ عرض عليه بالعشي الصافنات الجياد﴾ العشي مقابل الغداة وهو آخر النهار بعد الزوال، والصافنات على ما في المجمع، جمع الصافنة من الخيل وهي التي تقوم على ثلاث قوائم وترفع إحدى يديها حتى تكون على طرف الحافر.

 

قال: والجياد جمع جواد والياء هاهنا منقلبة عن واو والأصل جواد وهي السراع من الخيل كأنها تجود بالركض.

 

قوله تعالى: ﴿فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي حتى توارت بالحجاب﴾ الضمير لسليمان، والمراد بالخير: الخيل - على ما قيل - فإن العرب تسمي الخيل خيرا وعن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): الخير معقود بنواصي الخيل إلى يوم القيامة.

 

وقيل: المراد بالخير المال الكثير وقد استعمل بهذا المعنى في مواضع من كلامه تعالى كقوله: ﴿إن ترك خيرا﴾ البقرة: 180.

 

وقوله: ﴿إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي﴾ قالوا: إن ﴿أحببت﴾ مضمن معنى الإيثار و﴿عن﴾ بمعنى على، والمراد إني آثرت حب الخيل على ذكر ربي وهو الصلاة محبا إياه أو أحببت الخيل حبا مؤثرا إياه على ذكر ربي - فاشتغلت بما عرض علي من الخيل عن الصلاة حتى غربت الشمس.

 

وقوله: ﴿حتى توارت بالحجاب﴾ الضمير على ما قالوا للشمس والمراد بتواريها بالحجاب غروبها واستتارها تحت حجاب الأفق، ويؤيد هذا المعنى ذكر العشي في الآية السابقة إذ لو لا ذلك لم يكن غرض ظاهر يترتب على ذكر العشي.

 

فمحصل معنى الآية أني شغلني حب الخيل - حين عرض الخيل علي - عن الصلاة حتى فات وقتها بغروب الشمس، وإنما كان يحب الخيل في الله ليتهيأ به للجهاد في سبيل الله فكان الحضور للعرض عبادة منه فشغلته عبادة عن عبادة غير أنه يعد الصلاة أهم.

 

وقيل: ضمير ﴿توارت﴾ للخيل وذلك أنه أمر بإجراء الخيل فشغله النظر في جريها حتى غابت عن نظره وتوارت بحجاب البعد، وقد تقدم أن ذكر العشي يؤيد المعنى السابق ولا دليل على ما ذكره من حديث الأمر بالجري من لفظ الآية.

 

قوله تعالى: ﴿ردوها علي فطفق مسحا بالسوق والأعناق﴾ قيل: الضمير في ﴿ردوها﴾ للشمس وهو أمر منه للملائكة برد الشمس ليصلي صلاته في وقتها، وقوله: ﴿فطفق مسحا بالسوق والأعناق﴾ أي شرع يمسح ساقيه وعنقه ويأمر أصحابه أن يمسحوا سوقهم وأعناقهم وكان ذلك وضوءهم ثم صلى وصلوا، وقد ورد ذلك في بعض الروايات عن أئمة أهل البيت (عليهم السلام).

 

وقيل: الضمير للخيل والمعنى قال: ردوا الخيل فلما ردت.

 

شرع يمسح مسحا بسوقها وأعناقها ويجعلها مسبلة في سبيل الله جزاء ما اشتغل بها عن الصلاة.

 

وقيل: الضمير للخيل والمراد بمسح أعناق الخيل وسوقها ضربها بالسيف وقطعها والمسح القطع فهو (عليه السلام) غضب عليها في الله لما شغلته عن ذكر الله فأمر بردها ثم ضرب بالسيف أعناقها وسوقها فقتلها جميعا.

 

وفيه أن مثل هذا الفعل مما تتنزه ساحة الأنبياء (عليهم السلام) عن مثله فما ذنب الخيل لو شغله النظر إليها عن الصلاة حتى تؤاخذ بأشد المؤاخذة فتقتل تلك القتلة الفظيعة عن آخرها مع ما فيه من إتلاف المال المحترم.

 

وأما استدلال بعضهم عليه برواية أبي بن كعب عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم): في قوله تعالى: فطفق مسحا بالسوق والأعناق قطع سوقها وأعناقها بالسيف ثم أضاف إليها وقد جعلها بذلك قربانا لله وكان تقريب الخيل مشروعا في دينه فليس من التقريب ذكر في الحديث ولا في غيره.

 

على أنه (عليه السلام) لم يشتغل عن العبادة بالهوى بل شغلته عبادة عن عبادة كما تقدمت الإشارة إليه.

 

فالمعول عليه هو أول الوجوه إن ساعده لفظ الآية وإلا فالوجه الثاني.

 

قوله تعالى: ﴿ولقد فتنا سليمان وألقينا على كرسيه جسدا ثم أناب﴾ الجسد هو الجسم الذي لا روح فيه.

 

قيل: المراد بالجسد الملقى على كرسيه هو سليمان نفسه لمرض امتحنه الله به وتقدير الكلام ألقيناه على كرسيه جسدا أي كجسد لا روح فيه من شدة المرض.

وفيه أن حذف الضمير من ﴿ألقيناه﴾ وإخراج الكلام على صورته التي في الآية الظاهرة في أن الملقى هو الجسد مخل بالمعنى المقصود لا يجوز حمل أفصح الكلام عليه.

 

ولسائر المفسرين أقوال مختلفة في المراد من الآية تبعا للروايات المختلفة الواردة فيها والذي يمكن أن يؤخذ من بينها إجمالا أنه كان جسد صبي له أماته الله وألقى جسده على كرسيه، ولقوله: ﴿ثم أناب قال رب اغفر لي﴾ إشعار أو دلالة على أنه كان له (عليه السلام) فيه رجاء أو أمنية في الله فأماته الله سبحانه وألقاه على كرسيه فنبهه أن يفوض الأمر إلى الله ويسلم له.

 

قوله: ﴿قال رب اغفر لي وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي إنك أنت الوهاب﴾ ظاهر السياق أن الاستغفار مرتبط بما في الآية السابقة من إلقاء الجسد على كرسيه، والفصل لكون الكلام في محل دفع الدخل كأنه لما قيل: ﴿ثم أناب﴾ قيل: فماذا قال؟ فقيل: قال رب اغفر لي إلخ.

 

وربما استشكل في قوله: ﴿وهب لي ملكا لا ينبغي لأحد من بعدي﴾ أن فيه ضنا وبخلا، فإن فيه اشتراط أن لا يؤتى مثل ما أوتيه من الملك لأحد من العالمين غيره.

 

ويدفعه أن فيه سؤال ملك يختص به لا سؤال أن يمنع غيره عن مثل ما آتاه ويحرمه ففرق بين أن يسأل ملكا اختصاصيا وأن يسأل الاختصاص بملك أوتيه.

 

قوله تعالى: ﴿فسخرنا له الريح تجري بأمره﴾ رخاء حيث أصاب متفرع على سؤاله الملك وإخباره عن إجابة دعوته وبيان الملك الذي لا ينبغي لأحد غيره وهو تسخير الريح والجن.

 

والرخاء بالضم اللينة والظاهر أن المراد بكون الريح تجري بأمره رخاء مطاوعتها لأمره وسهولة جريانها على ما يريده (عليه السلام) فلا يرد أن توصيف الريح هاهنا بالرخاء يناقض توصيفه في قوله: ﴿ولسليمان الريح عاصفة تجري بأمره﴾ الأنبياء: 81 بكونها عاصفة.

 

وربما أجيب عنه بأن من الجائز أن يجعلها الله رخوة تارة وعاصفة أخرى حسب ما أراد سليمان (عليه السلام).

 

وقوله: ﴿حيث أصاب﴾ أي حيث شاء سليمان (عليه السلام) وقصد وهو متعلق بتجري.

 

قوله تعالى: ﴿والشياطين كل بناء وغواص﴾ أي وسخرنا له الشياطين من الجن كل بناء منهم يبني له في البر وكل غواص يعمل له في البحر فيستخرج اللئالىء وغيرها.

 

قوله تعالى: ﴿وآخرين مقرنين في الأصفاد﴾ الأصفاد جمع صفد وهو الغل من الحديد، والمعنى سخرنا له آخرين منهم مجموعين في الأغلال مشدودين بالسلاسل.

 

قوله تعالى: ﴿هذا عطاؤنا فامنن أو أمسك بغير حساب﴾ أي هذا الذي ذكر من الملك عطاؤنا لك بغير حساب والظاهر أن المراد بكونه بغير حساب أنه لا ينفد بالعطاء والمن ولذا قيل: ﴿فامنن أو أمسك﴾ أي أنهما يستويان في عدم التأثير فيه.

 

وقيل: المراد بغير حساب أنك لا تحاسب عليه يوم القيامة، وقيل: المراد أن إعطاءه تفضل لا مجازاة وقيل غير ذلك.

 

قوله تعالى: ﴿وإن له عندنا لزلفى وحسن مآب﴾ تقدم معناه.

 

بحث روائي:

وفي المجمع، في قوله تعالى: ﴿فقال إني أحببت حب الخير عن ذكر ربي﴾ الآية قيل: إن هذه الخيل كانت شغلته عن صلاة العصر حتى فات وقتها: عن علي (عليه السلام) وفي رواية أصحابنا: أنه فاته أول الوقت.

 

وفيه، قال ابن عباس: سألت عليا عن هذه الآية فقال: ما بلغك فيها يا ابن عباس؟ قلت: سمعت كعبا يقول: اشتغل سليمان بعرض الأفراس حتى فاتته الصلاة فقال: ردوها علي يعني الأفراس وكانت أربعة عشر فأمر بضرب سوقها وأعناقها بالسيف فقتلها فسلبه الله ملكه أربعة عشر يوما لأنه ظلم الخيل بقتلها.

 

فقال علي: كذب كعب لكن اشتغل سليمان بعرض الأفراس ذات يوم لأنه أراد جهاد العدو حتى توارت الشمس بالحجاب فقال بأمر الله للملائكة الموكلين بالشمس: ردوها علي فردت فصلى العصر في وقتها وإن أنبياء الله لا يظلمون ولا يأمرون بالظلم لأنهم معصومون مطهرون.

 

أقول: وقول كعب الأحبار: فسلبه الله ملكه إشارة إلى حديث الخاتم الذي سنشير إليه.

 

وفي الفقيه، روي عن الصادق (عليه السلام) أنه قال: إن سليمان بن داود عرض عليه ذات يوم بالعشي الخيل فاشتغل بالنظر إليها حتى توارت الشمس بالحجاب فقال للملائكة: ردوا الشمس علي حتى أصلي صلاتي في وقتها فردوها فقام ومسح ساقيه وعنقه بمثل ذلك وكان ذلك وضوءهم للصلاة ثم قام فصلى فلما فرغ غابت الشمس وطلعت النجوم، وذلك قول الله عز وجل: ﴿ووهبنا لداود سليمان إلى قوله مسحا بالسوق والأعناق﴾.

 

أقول: والرواية لا بأس بها لو ساعد لفظ الآية أعني قوله: ﴿فطفق مسحا بالسوق والأعناق﴾ على ما فيها من المعنى، وأما مسألة رد الشمس فلا إشكال فيه بعد ثبوت إعجاز الأنبياء، وقد ورد ردها لغيره (عليه السلام) كيوشع بن نون وعلي بن أبي طالب (عليه السلام) في النقل المعتبر ولا يعبأ بما أورده الرازي في تفسيره الكبير.

 

وأما عقره (عليه السلام) الخيل وضربه أعناقها بالسيف فقد روي في ذلك عدة روايات من طرق أهل السنة وأورده القمي في تفسيره، وكأنها تنتهي إلى كعب كما مر في رواية ابن عباس المتقدمة وكيف كان فلا يعبأ بها كما تقدم.

 

وقد بلغ من إغراقهم في القصة أن رووا أن الخيل كانت عشرين ألف فرس ذات أجنة ومثله ما روي في قوله: حتى توارت بالحجاب عن كعب أنه حجاب من ياقوتة خضراء محيط بالخلائق منه اخضرت السماء.

 

ومثل هذه الروايات أعاجيب من القصص رووها في قوله تعالى: ﴿وألقينا على كرسيه جسدا﴾ الآية كما روي: أنه ولد له ولد فأمر بإرضاعه وحفظه في السحاب إشفاقا عليه من مردة الجن وفي بعضها خوفا عليه من ملك الموت فوقع يوما جسده على كرسيه ميتا.

 

وما روي: أنه قال يوما: لأطوفن الليلة بمائة امرأة من نسائي تلد لي كل واحدة منهن لي فارسا يجاهد في سبيل الله ولم يستثن فلم تحمل منهن إلا واحدة بشق من ولد وكان يحبه فخبأه له بعض الجن من ملك الموت فأخذه من مخبئه وقبضه على كرسي سليمان.

 

وما روي في روايات كثيرة تنتهي عدة منها إلى ابن عباس وهو يصرح في بعضها أنه أخذه عن كعب: أن ملك سليمان كان في خاتمه فتخطفه شيطان منه فزال ملكه وتسلط الشيطان على ملكه أياما ثم أعاد الله الخاتم إليه فعاد إلى ما كان عليه من الملك، وقد أوردوا في القصة أمورا ينبغي أن تنزه ساحة الأنبياء (عليهم السلام) عن ذكرها فضلا عن نسبتها إليهم.

 

قالوا: وجلوس الشيطان على كرسي سليمان هو المراد بقوله تعالى: ﴿وألقينا على كرسيه جسدا﴾ الآية.

 

فهذه كلها مما لا يعبأ بها على ما تقدمت الإشارة إليه وإنما هي مما لعبت بها أيدي الوضع.

المـكـتـبـــة المسـمـوعــــة
المـكـتـبـــة المـرئــيــــة

تنويه: آراءُ الكُتَّاب والمؤلّفين ومنقولاتُهم لا تُعبِّر بالضّرورة عن رأي حوزة الهدى للدّراسات الإسلاميّة

عداد الزوار
42330135

مواقع تابعة


إصداراتنا المعروضة للبيع


© 2007-2015 حوزة الهدى للدراسات الإسلامية