header_small2
• الآية 64
- عدد القراءات: 1025 - نشر في: 09--2008م

الآية 64

 

﴿وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن رَّسُول إِلاَّ لِيُطَاعَ بِإِذْنِ اللهِ وَلَوْ أَنَّهُمْ إِذ ظَّلَمُوا أَنفُسَهُمْ جَآءُوكَ فَاسْتَغْفَرُوا اللهَ وَاسْتَغْفَرَ لَهُمُ الرَّسُولُ لَوَجَدُوا اللهَ تَوَّاباً رَّحِيماً﴾

 

التّفسير

في الآيات السابقة شجب القرآن الكريم التحاكم إِلى حكّام الجور، وفي هذه الآية يقول سبحانه مؤكداً: (وما أرسلنا من رسول إلاّ ليطاع بإذن الله) أي أنّنا بعثنا الأنبياء ليطاعوا بإِذن الله وأمره ولا يخالفهم أحد، لأنّهم كانوا رسل الله وسفراءه كما كانوا رؤساء الحكومة الإِلهية أيضاً، وعلى هذا يجب على الناس أن يطيعوهم من جهة بيان أحكام الله ومن جهة طريقة تطبيقها، ولا يكتفوا بمجرّد ادعاء الإِيمان.

 

ومن هذه العبارة يستفاد أنّ الهدف من إِرسال الرسل وبعث الأنبياء هو إِطاعة جميع الناس لهم، فإِذا أساء بعض الناس استخدام حريتهم ولم يطيعوا الأنبياء كان اللوم متوجهاً إِلى أنفسهم لا إِلى أحد.

 

 وبهذا تنفي الآية الحاضرة عقيدة الجبريين الذين يقولون: الناس صنفان: صنف كلّف بالطاعة من البدء، وصنف كلّف بالمعصية من البدء.

 

كما أنّه يستفاد من عبارة (بإِذن الله) أن كل ما عند الأنبياء من الله، أو بعبارة أُخرى: إِن وجوب طاعتهم ليس بالذات، بل هي - أيضاً - بأمر الله ومن ناحيته.

 

ثمّ إنّه سبحانه يترك باب التوبة والإنابة - عقيب تلك الآية - مفتوحاً على العصاة والمذنبين، وعلى الذين يراجعون الطواغيت ويتحاكمون إِليهم أو يرتكبون معصية بنحو من الأنحاء، ويقول: (ولو أنّهم إذ ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم الرّسول لوجدوا الله تواباً رحيماً).

 

والجدير بالتأمل والإِنتباه إِنّ القرآن يقول بدل: عصوا أمر الله وتحاكموا إِلى الطاغوت: (إذ ظلموا أنفسهم) وهو إشارة إِلى أنّ فائدة الطاعة لأمر اللّه وأمر الرّسول تعود إِليكم أنفسكم، وإِن مخالفة ذلك نوع من الظلم توقعونه على أنفسكم، لأنّها تحطم حياتكم المادية، وتوجب تخلفكم وانحطاطكم من الناحية المعنوية.

 

إِنّ هذه الآية تجيب ضمناً على كل الذين يعتبرون التوسل برسول الله أو بالإِمام نوعاً من الشرك، لأنّ الآية تصرح بأن التوسل بالنّبي والإِستشفاع به إِلى الله، وطلب الإِستغفار منه لمغفرة المعاصي، مؤثر وموجب لقبول التوبة وشمول الرحمة الإِلهية.

 

فلو كانت وساطة النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ودعاؤه للعصاة المتوسلين به، والإِستشفاع به وطلب الإِستغفار منه شركاً، فكيف يمكن أن يأمر القرآن العصاة والمذنبين بمثل هذا الأمر؟

نعم، غاية ما في الباب أنّ على العصاة والمذنبين أنفسهم أن يتوبوا هم ويرجعوا عن طريق الخطأ، ثمّ يستفيدوا - لقبول توبتهم - من استغفار النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) .

 

ومن البديهي أنّ النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) ليس من شأنه أن يغفر الذنوب، بل شأنه في المقام أن يطلب من الله المغفرة خاصّة، وهذه الآية إِجابة مفحمة للذين ينكرون مشروعية أو فائدة هذه الوساطات.

 

هذا والمفلت للنظر أنّ القرآن الكريم لم يقل: استغفر لهم يا رسول الله، بل قال: (واستغفر لهم الرّسول) وهذا التعبير - لعلّه - إِشارة إِلى أن يستفيد النّبي من مقامه ومكانته ويستغفر للعصاة التائبين.

 

إِنّ هذا الموضوع (أي تأثير استغفار النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) للمؤمنين) ورد في آيات أُخرى من القرآن الكريم أيضاً مثل الآية (19) من سورة محمّد والآية (رقم 5) من سورة المنافقون والآية (114) من سورة التوبة التي تشير إلى استغفار إِبراهيم لأبيه (عمّه)، والآيات الاُخرى التي تنهي عن الإِستغفار للمشركين، ومفهومها جواز الإِستغفار للمؤمنين، كما يستفاد من بعض الروايات إِن الملائكة تستغفر لجماعة من المؤمنين المذنبين عند الله (سورة غافر الآية 77، وسورة الشورى الآية 5).

 

وخلاصة القول، إنّ هناك آيات كثيرة تكشف عن هذه الحقيقة وهي إنّ الأنبياء، أو الملائكة، أو المؤمنين الصادقين الطيبين بامكانهم أن يستغفروا لبعض العصاة، وإن استغفارهم مؤثر عند الله، وهذا هو أحد معاني شفاعة النّبي أو الملائكة أو المؤمنين الطيبين للعصاة والخاطئين، ولكن الشّفاعة كما قلنا تحتاج إلى أرضية وصلاحية وأهلية في العصاة أنفسهم.

 

والعجيب أنّه يستفاد من بعض ما قاله جماعة من المفسّرين أنّهم أرادوا اعتبار استغفار النّبي (صلى الله عليه وآله وسلم) - في الآية الحاضرة - مرتبطاً بالتجاوزات الواقعة في شؤون النّبي خاصّة لا مطلق المعاصي والذنوب، وكأنّهم أرادوا أن يقولوا: لو أنّ أحداً ظلم النّبي أو أساء إليه وجب استحلاله واسترضاؤه ليغفر الله تلك الإِساءة ويتوب على ذلك التجاوز.

 

ولكن من الواضح البيّن أن إرجاع التحاكم إِلى غيرالنّبي ليس ظلماً شخصياً يهدف به شخص النّبي، بل هي مخالفة لمنصبه الإِلهي الخاص (أو بعبارة أُخرى) إنّها مخالفة للأمر الإِلهي، وحتى إِذا كان ذلك ظلماً شخصياً موجهاً إِلى شخص النّبي - افتراضاً - فإِن القرآن لم يقصده ولم يركز عليه، بل ركز القرآن على هذا الموضوع وهو أن ذلك التحاكم مخالفة لأمر الله وتجاهل لإِرادته.

 

هذا مضافاً إِلى أنّنا لو ظلمنا أحداً كفانا رضاه، فما الحاجة إِلى طلب استغفاره، ودعائه للمسيء؟ بل وفوق ذلك كلّه، لو أننا فسّرنا الآية بمثل هذا التّفسير - فرضاً - فما الذي نقوله في تلك المجموعة الكبيرة من الآيات التي تشير إِلى استغفار الأنبياء، والملائكة والمؤمنين للعصاة والخاطئين؟

 

فهل المقام فيها مقام الحقوق الشخصية أيضاً؟

المـكـتـبـــة المسـمـوعــــة
المـكـتـبـــة المـرئــيــــة

تنويه: آراءُ الكُتَّاب والمؤلّفين ومنقولاتُهم لا تُعبِّر بالضّرورة عن رأي حوزة الهدى للدّراسات الإسلاميّة

عداد الزوار
42330168

مواقع تابعة


إصداراتنا المعروضة للبيع


© 2007-2015 حوزة الهدى للدراسات الإسلامية