هل يعبس رسول الله (ص)؟

﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى / أَن جَاءهُ الْأَعْمَى / وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى﴾(1).

عبس: قبض وجهه، تولى: أعرض وصدَّ عنه، يَزَّكَّى: يتطهر بالعمل الصالح.

وروي عن الإمام الصادق (ع) في بيان سبب نزول السورة قوله (ع): "أنها نزلت في رجل من بني أمية كان عند النبي (ص)، فجاء ابن أم مكتوم، فلمّا رآه تقذر منه وجمع نفسه وعبس وأعرض بوجهه عنه، فحكى الله سبحانه ذلك وأنكره عليه".

والواضح من بيان سبب النزول ومن التعبير القصصي في الآيات الشريفة أنها-أي السورة- تعاتب الذي يميّز بين النّاس في المعاملة على أساس المعايير المادية والحطام الدنيوي الزائل، فيقدم الأغنياء المترفين ويستقبلهم بكل بشاشة وترحيب، ويبعد الضعفاء والمساكين من المؤمنين، وبذلك فهو يرفع أهل الدنيا ويضع ويحطُّ من قدر أهل الآخرة، ثم بعد ذلك تنتقل الآيات الشريفة لمعالجة مواضيع أخرى في ذات السياق.

وقد اختلفت الروايات في سبب نزول هذه الآيات المباركة، فروايات أهل السنة تذهب إلى أنها نازلة في النبي (ص) وبأنه هو الذي عبس في وجه ابن أم مكتوم، وروايات أتباع مدرسة أهل البيت (ع) تبعا لما جاء عن الأئمة المعصومين (ع) تذهب إلى أنها نازلة في رجل من بني أمية. وإنّ القول بأنها نازلة في النبي الأكرم (ص) لهو مخالف للواقع ولِما قرَّره الله سبحانه وتعالى من عظيم الأخلاق والسجايا عند رسوله العظيم (ص)، فليس من خلق الرسول الأعظم (ص) أن يعبس بوجه أحد ومهما كانت الظروف.

ولكن قد يقال ما الدليل الذي يمكن الاعتماد عليه في نفي نزولها في النبي العظيم (ص)؟

يمكن إيراد بعض الأدلة التي توضح بشكل قاطع أنّ الذي عبس ليس هو رسول الله (ص) ومن ذلك:

1- أنَّ الرسول العظيم (ص) وأهل البيت الكرام (ع) قد أرشدوا الأمة إلى قياس صحة الرواية أو بطلانها بعرضها على القرآن الكريم، وهذه الرواية لو عرضت على كتاب الله لكانت متعارضة وبكل وضوح مع النصوص القرآنية التي تنزَّه النَّبي الأكرم (ص) من قبيل ذلك قوله تعالى في سورة القلم ﴿وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ﴾(2)، فهل العبوس بوجه ضعفاء المؤمنين يناسب هذا الخلق العظيم؟ مع العلم أن هذه الآية نازلة في بدايات البعثة المحمدية فكيف يعظم الله نبيه في بداية بعثته ثم يعاتبه في العبوس في وجه الفقراء؟

2- إن التاريخ وبكل تفاصيله لم ينقل ولا حادثة واحدة يثبت فيها أن الرسول (ص) قد أساء التصرف مع أعدائه المنابذين له، فقد كان في غاية اللطف والرفق حتى مع الأعداء فهل يعقل أن يسيء التصرف مع أتباعه المؤمنين وينفر عمّن جاء يطلب الهداية.

3- هل يمكن للنَّبي (ص) أن يخالف أمر الله، فالله تعالى شأنه يقول: ﴿وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُم بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَلَا تُطِعْ مَنْ أَغْفَلْنَا قَلْبَهُ عَن ذِكْرِنَا وَاتَّبَعَ هَوَاهُ وَكَانَ أَمْرُهُ فُرُطًا﴾(3)، وقوله تعالى: ﴿وَاخْفِضْ جَنَاحَكَ لِلْمُؤْمِنِينَ﴾(4)، فالله تعالى يأمر نبيه العظيم بالصبر والعيش مع الفقراء من المؤمنين لما فيهم من صفات كمالية لم تكن موجودة عند الأغنياء، وخصوصًا إذا علمنا أن سيرة الرسول الأعظم (ص) كلها تشريع فهو لا ينطق عن الهوى، وكذلك لا يتحرك بموجب الهوى والعاطفة.

4- ثم نجد إشارة واضحة في الآية (7) من نفس السورة المباركة قوله تعالى: ﴿وَمَا عَلَيْكَ أَلَّا يَزَّكَّى﴾، فكيف يكون هذا الأمر والرسول (ص) قد بعث لتزكية النّاس كافة وقد قال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِي بَعَثَ فِي الْأُمِّيِّينَ رَسُولًا مِّنْهُمْ يَتْلُو عَلَيْهِمْ آيَاتِهِ وَيُزَكِّيهِمْ وَيُعَلِّمُهُمُ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَإِن كَانُوا مِن قَبْلُ لَفِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾(5)، وفي ترك التصدي لهذا المتزكي إغراء له بالابتعاد عن حلقة الإيمان وترك طلب التزكية، وفي هذا السلوك نقض للغرض الذي بعث له النبي العظيم (ص).

5- إنَّ الله سبحانه وتعالى يأمر الناس في محكم كتابه المجيد بالاقتداء والتأسي برسول الله (ص) باعتباره النموذج الأرقى والأكمل فيقول الله تعالى: ﴿لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِي رَسُولِ اللَّهِ أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ لِّمَن كَانَ يَرْجُو اللَّهَ وَالْيَوْمَ الْآخِرَ وَذَكَرَ اللَّهَ كَثِيرًا﴾(6).

فإذا كان العبوس في وجه المؤمنين مذمومًا وقبيحًا، فهل يمكن أن يفعله رسول الله (ص) وهو المثال الكامل في الأخلاق؟ وإنْ فرض هذا الأمر فلا بأس على الناس بالتأسي بالرسول (ص) بأن يعبسوا في وجه الفقراء من المؤمنين ويميلوا باتجاه أهل الدنيا من أغنياء القوم، وهذا سلوكٌ يرفضه الله ورسوله والمؤمنون.

وفي الآيات الكريمة التفاتة إلى أنَّه سلوك مذموم ففي الآيتين ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى / أَن جَاءهُ الْأَعْمَى﴾(7) واللتين قد وردتا بلفظ الغيبة تبين الإعراض عن المشافهة للدلالة على الإنكار والعتاب، ثم تليها الآيات مستخدمة الخطاب المباشر لتزيد من التوبيخ لهذا العابس بسبب المواجهة بعد الإعراض.

ولكن لماذا عبر عن القادم بالأعمى ولم يعطه صفة أخرى؟ ربما والله العالم أن التعبير بهذه الصفة فيه مزيد من التوبيخ لهذا العابس الذي تولى وأعرض عن طالب التزكية بعد أن وقع بصره عليه، لأن هذا الساعي أولى أن يرحم ويخص بالمزيد من الإقبال والعطف.

------------------

1- سورة عبس/ 1-3.

2- سورة القلم / 4.

3- سورة الكهف / 28.

4- سورة الحجر / 88.

5- سورة الجمعة / 2.

6- سورة الأحزاب / 21.

7- سورة عبس / 1-2.