جدارة زيد

وأمّا قضيّة اختيار مثل زيد لهكذا عمل خطير.

فقال الزرقاني: أنّ أبا بكر رأى بنور الله أن يندب لتحقيق هذا العمل رجلاً من خيرة رجالات الصحابة، هو زيد بن ثابت، لأنّه اجتمع فيه من المواهب ذات الأثر في جمع القرآن ما لم يجتمع في غيره من الرجال، إذ كان من حفّاظ القرآن. ومن كتّاب الوحي لرسول الله (صلى الله عليه وآله). وشهد العرضة الأخيرة للقرآن. وكان فوق ذلك معروفًا بخصوبة عقله. وشدّة ورعه. وعظم أمانته وكمال خلقه. واستقامة دينه(1).

تلك نعوت ثمانية عدّدها الزرقاني، زعمها متوفّرة في زيد وحده، لم تجتمع جميعًا في غيره من صحابة الرسول (صلى الله عليه وآله) الموجودين آنذاك..!

1- هذا ما لا نكاد نصدّقه بتاتا...!

2- إنّا نعلم: أنّ الذين جمعوا القرآن كلّه وحفظوه على عهد رسول الله (صلى الله عليه وآله) وقد كان أمر بالرجوع إليهم واستقراء القرآن منهم -على ما جاء في صحيح البخاري وغيره- أربعة، ليس فيهم زيد، هم: عبد الله بن مسعود وأُبي بن كعب. ومعاذ بن جبل. وسالم مولى حذيفة(2).

وكانوا على وفرة من سائر النعوت الذي ذكرها الزرقاني، فلماذا لم يختر أبو بكر واحدًا من هؤلاء؟!

أمّا الذي شهد العرضة الأخيرة فهو ابن مسعود، ولم يكن زيدًا..! قال ابن عباس كان القرآن يعرض على رسول الله (صلى الله عليه وآله) في كلّ رمضان مرّة إلاَ العام الذي قبض فيه، فإنّه عرض عليه مرّتين، وقد حضره عبد الله بن مسعود، فشهد ما نسخ وبدّل(3). هذا وسابقة ابن مسعود بالقرآن وبعناية الرسول (صلى الله عليه وآله) الذي كان يعلّمه القرآن من فيه معروفة(4).

وكان أُبي بن كعب أقرأ أصحاب النبيّ (صلى الله عليه وآله) وقد أمره الله أن يعرض القرآن كلّه علي أُبي(5) وكان معروفًا بسيّد القراء(6).

وكذلك معاذ بن جبل الذي قال رسول الله (صلى الله عليه وآله) في حقّه: هو إمام العلماء رتوة - أي اعتلاء - وخلفه في أهل مكة يفقههم ويقربهم القرآن(7).

الأمر الذي يجعل من زيد معوزًا كفاءة سائر الصحابة الكبار! كما أنّ قضية كتابته للوحي كانت عند فقد الآخرين. قال ابن عبد البرّ: كان النبيّ (صلى الله عليه وآله وسلم إذا لم يكن أُبي بن كعب حاضرًا دعى زيدًا ليكتب له(8) هذا... ولم يأت الزرقاني لما ذكره من نعوت خاصّة بمستند!

نعم، كان الذي يختص به زيد دون سائر رجالات الأصحاب هو: امتيازه بصفة جاءت الإشارة إليها في نصّ البخاري: ((إنّك شابّ عاقل! لا نتّهمك)).! كان ذا نزعة متلائمة مع أهداف السلطة القائمة، وقد أبدى ذلك يوم السقيفة، وقفر موقف المدافع الحاد دون المهاجرين، وكنّا أنصاره وإنّما يكون الإمام من المهاجرين ونحن أنصاره... فانبسط وجه أبي بكر لهذا الكلام المبتكر وجزاه خيرًا: قال: جزاكم الله خيرًا من حيّ يا معشر الأنصار، وثبت قائلكم - يعني زيدًا - والله لو قلتم غير هذا ما صالحناكم... وقال له يومًا: أنت عندنا كلّنا أمين ..(9).

ولم ينس له أبو بكر هذا الموقف الخطير، ومن ثم انتدبه لجمع القرآن، معتمدًا عليه كلّ الاعتماد، من غير أنّ يتّهمه في عقله الذي كان يعرف اتّجاه الرياح من أين تهب!

نعم كان على وفرة من الذكاء، وكان عند مقدم النبيّ (صلى الله عليه وآله) المدينة ابن أحد عشر سنة فاستخدمه النبيّ لكتابة رسائله بالعبرية وقراءتها بعد أن كلّفه تعلّم العبريّة والخطّ في مدارس(ماسلة) اليهوديّة آنذاك(10).

وتولّى كتابة المصحف على عهد عثمان أيضاّ نفر من أغلمة قريش، سعيد بن العاصي وعبد الله بن الزبير وعبد الرحمان بن الحارث(11).

المصدر:

كتاب التمهيد في علوم القرآن: سماحة الشيخ محمد هادي معرفة.


1- مناهل العرفان ج1 / ص243.

2- صحيح البخاري ج5 / ص34 و ج6 / ص229. وجاء في حديث أنس: لم يجعل القرآن على عهده صلى الله عليه وآله غير أربعة: أبو الدرداء ومعاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد.. صحيح البخاري: ج6/ص230، ولكنه زعم زعمه أنس ومن ثم ردّ عليه أئمّة النقد والتمحيص. راجع فتح الباري ج9 / ص42. والإتقان ج1 / ص71، وإذا كان زيد ممّن جمع القرآن على عهده (صلى الله عليه وآله) فلماذا استعظم ذلك عند ما اقترح عليه أبو بكر أن يقوم بجمع القرآن؟!

3- الطبقات ج2 / ص342.

4- راجع صحيح البخاري ج5 / ص35 وج6/ص229 و230. والطبقات ج2 / ص355. ومستدرك الحاكم ج2 / ص220.

5- راجع صحيح البخاري ج6 / ص230. والطبقات: ج2 / ص341.

6- تهذيب التهذيب ج1 / ص187.

7- راجع الطبقات ج2 / ص347 - 348.

8- الاستيعاب بهامش الإصابة ج1 / ص29، وأسد الغابة ج1 / ص50.

9- تهذيب ابن عساكر ج5 / ص244 و446 وج6 / ص132.

10- الطبقات ج2 / ص115-117.

11- صحيح البخاري ج6 / ص226.