القسم في سورة التين
حلف سبحانه في سورة التين، بأُمور أربعة: التين، الزيتون، طور سينين، البلد الأمين، قال سبحانه: ﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ / وَطُورِ سِينِينَ / وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ / لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ / ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ / إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾(1).
تفسير الآيات
﴿وَالتِّينِ وَالزَّيْتُونِ﴾ فاكهتان معروفتان، حلف بهما سبحانه لما فيهما من فوائد جمّة وخواص نافعة، فالتين فاكهة خالصة من شآئب التنغيص، وفيه أعظم عبرة لأنّه عزّ اسمه جعلها على مقدار اللقمة، وهيّأها على تلك الصورة إنعاماً على عِباده بها.
وقد روى أبو ذر الغفاري عن النبي (صلى الله عليه وآله وسلم)، أنّه قال: "لو قلت انّ فاكهة نزلت من الجنة، لقلت: هذه هي، لأنّ فاكهة الجنة بلا عَجَمْ(2) فانّها تقطع البواسير، وتنفع من النقرص"(3).
وأمّا الزيتون فانّه يعتصر منه الزيت الذي يدور في أكثر الأطعمة، وهو إدام، والتين فاكهة فيها منافع جمّة.
ذكر علماء الأغذية أنّه يمكن الاستفادة من التين كسكر طبيعي للأطفال، ويمكن للرياضيين ولمن يعانون ضعف كبر السنّ أن ينتفعوا منه للتغذية، حتى ذكروا أنّ الشخص إن أراد توفير الصحة والسلامة لنفسه فلابد له أن يتناول هذه الفاكهة، كما أنّ زيت الزيتون هو الآخر له تأثير بالغ في معالجة عوارض الكُلَـى، حتي وصفها سبحانه بأنّه مأخوذ من شجرة مباركة، ولا نطيل الكلام في سرد فوائدهما(4).
هذا وربما يفسر التين بالجبل الذي عليه دمشق، والزيتون بالجبل الذي عليه بيت المقدس.
وهذا التفسير وإن كان بعيداً عن ظاهر الآيات، ولكن الذي يدعمه هو القسم الثالث والرابع - أعني: الحلف بـ ﴿طُورِ سِينِينَ / وَهَٰذَا الْبَلَدِ الْأَمِينِ﴾. إذ على ذلك يكون بين الأُمور الأربعة السالفة الذكر صلة واضحة، ولعل إطلاق اسم الفاكهتين على الجبلين لكونهما منبتيهما، والاِقسام بهما، لأنّهما مبعثي جمّ غفير من الاَنبياء.
ثمّ إنّ المراد من طور سينين، هو الجبل الذي كلّم اللّه فيه موسى (عليه السلام)، وقال: ﴿إِنِّي أَنَا رَبُّكَ فَاخْلَعْ نَعْلَيْكَ إِنَّكَ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾(5) وقال: ﴿إِذْ نَادَاهُ رَبُّهُ بِالْوَادِ الْمُقَدَّسِ طُوًى﴾(6) وقال سبحانه مخاطباً موسى (عليه السلام): ﴿وَلَٰكِنِ انظُرْ إِلَى الْجَبَلِ فَإِنِ اسْتَقَرَّ مَكَانَهُ فَسَوْفَ تَرَانِي فَلَمَّا تَجَلَّىٰ رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكًّا وَخَرَّ مُوسَىٰ صَعِقًا﴾(7).
البلد الأمين
وقد ذكر لفظ البلد في دعاء إبراهيم، حيث قال: ﴿وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا بَلَدًا آمِنًا وَارْزُقْ أَهْلَهُ مِنَ الثَّمَرَاتِ مَنْ آمَنَ مِنْهُم بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾(8). وقال أيضًا: ﴿رَبِّ اجْعَلْ هَٰذَا الْبَلَدَ آمِنًا وَاجْنُبْنِي وَبَنِيَّ أَن نَّعْبُدَ الْأَصْنَامَ﴾(8).
وقد أمر سبحانه نبيّه الخاتم، أن يقول: ﴿إِنَّمَا أُمِرْتُ أَنْ أَعْبُدَ رَبَّ هَٰذِهِ الْبَلْدَةِ الَّذِي حَرَّمَهَا وَلَهُ كُلُّ شَيْءٍ وَأُمِرْتُ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْمُسْلِمِينَ﴾(10).
وقد جاء ذكر البلد في بعض الآيات كناية، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ﴾(11).
والمراد من قوله ﴿إِلَىٰ مَعَادٍ﴾ هو موطنه الذي نشأ فيه.
وقد روى المفسرون في تفسير الآية انّه لما نزل النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) بالجحفة في مسيره إلى المدينة لما هاجر إليها اشتاق إلى مكة فأتاه جبرئيل (عليه السلام)، فقال: أتشتاق إلى بلدك ومولدك، فقال: نعم. قال جبرئيل: فإنّ اللّه، يقول: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَىٰ مَعَادٍ﴾ يعني مكة ظاهراً عليها، فنزلت الآية بالجحفة، وليست بمكية ولا مدنية، وسمّيت مكة معاداً لعوده إليها. عن ابن عباس(12).
كما ذكر أيضاً في آية أُخرى بوصفه وقال: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾(13).
وقد وصف سبحانه البلد بالأمن وأصل الأمن طمأنينة النفس وزوال الخوف، وقد جعله وصفاً في بعض الآيات للحرم، قال سبحانه: ﴿أَوَلَمْ نُمَكِّن لَّهُمْ حَرَمًا آمِنًا يُجْبَىٰ إِلَيْهِ ثَمَرَاتُ كُلِّ شَيْءٍ رِّزْقًا مِّن لَّدُنَّا وَلَٰكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لَا يَعْلَمُونَ﴾(14). وفي آية أُخرى يقول: ﴿أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّا جَعَلْنَا حَرَمًا آمِنًا وَيُتَخَطَّفُ النَّاسُ مِنْ حَوْلِهِمْ أَفَبِالْبَاطِلِ يُؤْمِنُونَ وَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَكْفُرُونَ﴾(15).
والمراد من هذا الأمن هو الأمن التشريعي، بمعنى أنّه سبحانه حرم فيه القتل والحرب حتى قطع الأشجار والنباتات إلاّ بعض الأنواع مما تحتاج إليه الناس، والذي يوضح أنّ المراد من الأمن هو الأمن التشريعي لا التكويني قوله سبحانه: ﴿إِنَّ أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكًا وَهُدًى لِّلْعَالَمِينَ / فِيهِ آيَاتٌ بَيِّنَاتٌ مَّقَامُ إِبْرَاهِيمَ وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا وَمَن كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ الْعَالَمِينَ﴾(16).
فالآية الأُولى تحكي عن تشريع خاص، وهو أنّ الكعبة أوّل بيت وضعت لعبادة الناس، ويدل على ذلك أنّ فيه مقام إبراهيم، كما أنّ الآية الثانية تبيّن تشريعاً آخر، وهو وجوب حجّ البيت لمن استطاع إليه، وبين هذين التشريعين جاء قوله: ﴿وَمَن دَخَلَهُ كَانَ آمِنًا﴾ وهذا دليل على أنّ المراد من الأمن هو الأمن التشريعي لا التكويني، ولذلك كان الطغاة يسلبون الأمن عن هذا البلد بين آونة وأُخرى.
ويشير إلى الاَمن بقوله سبحانه: ﴿جَعَلَ اللَّهُ الْكَعْبَةَ الْبَيْتَ الْحَرَامَ قِيَامًا لِّلنَّاسِ وَالشَّهْرَ الْحَرَامَ﴾(17) وصف البيت بالحرام، حيث حرّم في مكانه القتال، وجعل الناس فيه في أمن من حيث دمائهم وأعراضهم وأموالهم.
فهذه الآيات تشير إلى مكانة البلد الذي احتضن البيت الحرام، ذلك المكان المقدس الذي حاز على أهمية بالغة عند المسلمين على اختلاف نحلهم، فإليه يوجِّه الناس وجوههم في صلواتهم وفي ذبائحهم وعند احتضار أمواتهم.
وفضلاً عن ذلك فانّه يعد ملتقىً عبادياً وسياسياً لحشود كبيرة من المسلمين، وما يترتب عليه من نتائج بناءة على صعيد مدِّ جسور الثقة بين كافة النحل الإسلامية. وبتبعه حاز البلد على مكانة مقدسة جعلته صالحاً للقسم به.
المقسم عليه
المقسم عليه للأقسام الأربعة -أعني: التين، الزيتون، طور سينين، البلد الأمين- هو قوله سبحانه: ﴿لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ / ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾ فيقع الكلام في أمرين:
أ- ما هو المراد من خلق الإنسان في أحسن تقويم ثمّ ردّه إلى أسفل سافلين؟
ب- ما هي الصلة بين الأقسام الأربعة وهاتين الآيتين اللتين هما المقسم عليه للأقسام الأربعة.
أمّا الأوّل فربّما يقال: انّ المراد من خلق الإنسان في أحسن تقويم هو جودة خلقه واستقامة وجوده من صباه إلى شبابه إلى كماله فيتمتع بكمال الصورة وجمال الهيئة وشدة القوة، فلم يزل على تلك الحال حتى يواجه بالنزول أي رده إلى الهرم والشيخوخة والكهولة فتأخذ قواه الظاهرة والباطنة بالضعف، وتنكس خلقته، قال سبحانه: ﴿وَمَن نُّعَمِّرْهُ نُنَكِّسْهُ فِي الْخَلْقِ أَفَلَا يَعْقِلُونَ﴾(18) لكن هذا التفسير لا يناسبه الاستثناء الوارد بعده قال سبحانه: ﴿إِلَّا الَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾ أي غير مقطوع.
فلو كان المراد من الآية ما جرت عليه سنّة اللّه تعالى في خلق الاِنسان فهي سنّة عامة تعم الموَمن والكافر والصالح والطالح، مع أنّه يستثني الموَمن الصالح من تلك الضابطة.
فالأولى تفسير الآيتين بالتقويم المعنوي، وردّه إلى أسفل سافلين هو انحطاطه إلى الشقاء والخسران بأن يقال: انّ التقويم جعل الشيء ذا قوام، وقوام الشيء ما يقوم به ويثبت، فالاِنسان بما هو إنسان صالح حسب الخلقة للعروج إلى الرفيق الأعلى، والفوز بحياة خالدة عند ربه سعيدة لا شقوة فيها، قال سبحانه: ﴿وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا / فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا﴾(19) فإذا آمن بما علم ومارس صالح الأعمال رفعه اللّه إليه، كما قال: ﴿إِلَيْهِ يَصْعَدُ الْكَلِمُ الطَّيِّبُ وَالْعَمَلُ الصَّالِحُ يَرْفَعُهُ﴾(20)، وقال عزّ اسمه: ﴿يَرْفَعِ اللَّهُ الَّذِينَ آمَنُوا مِنكُمْ وَالَّذِينَ أُوتُوا الْعِلْمَ دَرَجَاتٍ﴾(21)، إلى غير ذلك من الآيات الدالة على ارتفاع مقام الاِنسان وارتقائه بالإيمان والعمل الصالح مقاماً عالياً ذا عطاء من اللّه غير مجذوذ، وقد أشار في آخر هذه السورة إلى العطاء الدائم، بقوله: ﴿فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ﴾.
وعلى ذلك يكون المراد من أسفل سافلين هو تردّي الإنسان إلى الشقوة والخسران(22).
وأمّا وجه الصلة فلو قلنا بأنّ المراد من التين الجبل الذي عليه دمشق، وبالزيتون الجبل الذي عليه بيت المقدس وهما مبعثا جمّ غفير من الأنبياء، فالصلة واضحة، لأنّ هذه الأراضي أراضي الوحي والنبوة فقد أوحى اللّه سبحانه إلى أنبيائه في هذه الأمكنة ليخرج الناس من الظلمات إلى النور ويهديهم إلى أحسن تقويم، ويصدهم عن التردي إلى أسفل سافلين.
وبعبارة أُخرى: إنّ هذه الاَماكن مبعث الأنبياء ومهبط الوحي، فهؤلاء بفضل الوحي يهدون المجتمع الاِنساني إلى الرقي والسعادة التي يعبر عنها القرآن بأحسن تقويم، ويحذرونه من الانحطاط والسقوط في الهاوية التي يعبر عنها سبحانه بـ ﴿أَسْفَلَ سَافِلِينَ﴾.
إنّما الكلام فيما إذا كان المراد من التين والزيتون، الفاكهتان المعروفتان اللتين أقسم اللّه بهما لما فيهما من الفوائد الجمّة والخواص النافعة، فعندئذٍ لا تخلو الصلة من غموض، فليتدبر.
ولا يخفى انّ كلّ المخلوقات، من حيوان ونبات توحي بالجلال والاحترام لها وبالجمال وكمال الخلق، وهي تبدو مبرمجة أو مخلوقة هكذا لا تحيد عن ذلك، فهل رأيت طيراً لا يبني عشه أو لا يُطعمُ فراخه؟ أم رأيت حيواناً لم يهبه اللّه الذكاء والمقدرة على تحصيل رزقه، أو الدفاع عن نفسه؟ حقاً انّ هذه المخلوقات لا تعرف الهزل، فهي جدّيّة ولكن في وداعة، غريبة ولكن في جمال، وبسيطة ولكن في جلال آسر. إن كلاً منها تسير على الطريق التي اختطها الخالق لها طائعة ملبّية، وهي تسبّح بحمد ربّـها كلّها. إنّها لا تعرف الكذب أو المصانعة، بل هي متّسقة مع نفسها ومع ما حولها، بل ومع الكون جميعاً. في تناغم عجيب وجمال بديع. فتعالى اللّه الظاهر بعجائب تدبيره للناظرين والباطن بجلال عزّته عن فكرة المتوهمين(23).
المصدر:
الأقسام في القرآن الكريم: الشيخ جعفر السبحاني
1- سورة التين / 1-6.
2- العجم: نوى التمر، أو كل ما كان في جوف مأكول كالزبيب.
3- مجمع البيان ج5 / ص510.
4- فمن أراد التفصيل فليرجع إلى كتب علماء الاَغذية وما أُلّف في هذا المضمار.
5- سورة طه / 12.
6- سورة النازعات / 16.
7- سورة الأعراف / 143.
8- سورة البقرة / 126.
9- سورة إبراهيم / 35.
10- سورة النمل / 91.
11- سورة القصص / 85.
12- مجمع البيان ج7 / ص268.
13- سورة العنكبوت / 67.
14- سورة القصص / 57.
15- سورة العنكبوت / 67.
16- سورة آل عمران / 96-97.
17- سورة المائدة / 97.
18- سورة يس / 68.
19- سورة الشمس / 7-8.
20- سورة فاطر / 10.
21- سورة المجادلة / 11.
22- الميزان ج20 / ص319-320.
23- أسرار الكون في القرآن ص283.