الاستثناءفي قوله ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ ألا ينفي العصمة عن الأنبياء

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهم صل على محمد وآل محمد

المسألة:

قوله تعالى: ﴿يَا مُوسَى لَا تَخَفْ إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ / إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(1) ألا يدلُّ استثناء من ظلم من المرسلين على نفي العصمة عن الأنبياء؟!

الجواب:

منشأ الإشكال هو استظهار استثناء -مَن ظلم- من قوله تعالى: ﴿لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ فيكون مفاد الآية -بناءً على هذا الاستظهار- هو أنَّ المرسلين لا يخافون إلا مَن ظلم من المرسلين فإنَّه يخاف، ومقتضى ذلك هو إمكانية صدور الظلم من المرسلين وهو ما ينافي عصمتهم. لكنَّ هذا الاستظهار غير متعيِّن من الآية الشريفة.

وقد ذُكر لبيان معنى الآية احتمالات عدَّة:

الاحتمال الأول: هو قراءة الآية بفتح الهمزة وتخفيف اللام(2) يعني أنَّها "ألا" الاستفتاحيَّة والتي يُؤتى بها لغرض التنبيه والتوكيد لما يأتي بعدها كما في قوله تعالى: ﴿أَلَا سَاءَ مَا يَحْكُمُونَ﴾(3) وعليه فقوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ ليس استثناءً ممَّا تقدَّم بل هو كلام مستأنف مفاده ألا مَن ظلم ثم تاب فإنَّ الله يغفر له . إلا أنَّ هذه القراءة شاذَّة لا يُعوَّل عليها.

الاحتمال الثاني: وهو المنسوب لعددٍ من النحاة وهم الأخفش والفرَّاء وأبي عبيدة(4) وحاصله: إنَّ كلمة "إلا" في الآية ليست للاستثناء وإنَّما هي حرف عطفٍ بمعنى الواو المفيدة للتشريك، وعليه فقوله تعالى: "إِلَّا مَنْ ظَلَمَ" معناه ولا مَن ظلم، فيكون مفاد الآية -بناءً على ذلك- إنَّه لا يخاف لدى الله تعالى المرسلون وكذلك مَن ظلم ثم تاب فإنَّه لا يخاف لدى الله تعالى.

وبتعبير آخر: إنَّ انقلاب العصا إلى حية من فعل الله تعالى فحين فرَّ موسى (ع) قال الله تعالى له لا تخف فإنَّ الله لا يُوقع مكروهاً على المرسلين، فمعنى قوله تعالى: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ إنَّ المرسلين آمنون مِن عقاب الله ثم قال: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ يعني وكذلك الذين ظلموا ثم تابوا فإنَّهم آمنون من عقاب الله . فكلمة "إلا" استُعملت وأُريد منها معنى واو العطف.

ونظير هذه الآية -كما ذكروا- قوله تعالى: ﴿لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَيْكُمْ حُجَّةٌ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ﴾(5) فإنَّ كلمة "إلا" جاءت بمعنى الواو، فيكون معنى الآية لئلا يكون للناس حجة ولا الذين ظلموا يعني ولا يكون للذين ظلموا حجَّة.

الاحتمال الثالث: إنَّ كلمة "إلا" استُعملت في الاستثناء المنقطع والذي هو بمعنى "لكن" المفيدة للاستدراك، فهو إذن ليس استثناءً من المرسَلين وإنَّما هو كلام مستأنَف كما يقال -مثلاً- جاء الرجالُ إلا النساء، فإنَّ كلمة "إلا" في هذه الجملة استُعملت في الاستثناء المنقطع، وذلك لأنَّ المستثنى ليس من جنس المستثنى منه ولذلك يكون مفاد الجملة هو: جاء الرجال لكنَّ النساء لم يأتوا، فجملة لكنَّ النساء لم يأتوا مستأنفة لا صلة لها بالفقرة الأولى، كذلك هي كلمة "إلا " في الآية فإنَّها استُعملت في الاستثناء المنقطع، فهي لا تفيد الاستثناء من المرسَلين بل إنَّ ما بعدها يكون من الكلام المستأنَف، فيكون مفاد الآية هو أنَّه لا يخاف لديَ المرسلون لكنَّ من ظلم من سائر الناس يخاف إنْ لم يبدِّل ظلمه بالتوبة أو بفعل الصالحات فإنَّه لو بدَّل ظلمَه بالتوبة فإنَّه لا يخاف أيضاً .

الاحتمال الرابع: إنَّ كلمة إلا في الآية استُعملت في الاستثناء ولكنَّه ليس استثناءً من المرسلين بل هو استثناءٌ من محذوفٍ مقدَّر، استُغني عن ذكره لدلالة الآية عليه، فمحصَّل الآية إنَّه لا يخاف لدي المرسلون وإنَّما يخاف غيرُهم إلا مَن ظلم ثم تاب فإنَّه لا يخاف. فكلمة "إلا" استثناءٌ من "غيرهم" أي مِن غير المرسلين، فغير المرسلين يخافون إلا مَن ظلم منهم ثم تاب فإنَّه أيضاً لا يخاف.

الاحتمال الخامس: وهو الذي استظهره العلامة الطباطبائي أو رجَّحه(6) وحاصله: أنَّ الاستثناء في الآية منقطعٌ، سِيق لغرض الاستدراك والدفع لوهمٍ مقدَّر، فالآيةُ حين أفادت أنَّه لا يخاف لدى اللهِ المرسَلون أي حين أفادت أنَّ المرسلين آمنون عند الله تعالى فإنَّ هذا المعنى قد يُفهم منه أنَّ غير المرسلين من سائر الناس ليسوا آمنين لذلك تصدَّت الآية لنفي هذا الفهم وإفادةِ أنَّ غيرَ المرسلين من الذين يصدر عنهم الظلم آمنون أيضاً إذا بدَّلوا ظلمَهم بالتوبة والأفعال الحسنة، فقوله تعالى: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ ثُمَّ بَدَّلَ حُسْنًا بَعْدَ سُوءٍ فَإِنِّي غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾ استدراكٌ على ما قد يُفهم مِن أنَّ مطلق غير المرسلين يخافون وغير آمنين، أي أنَّه سِيق لنفي هذا الفهم فيكون مفاد الآية أنَّ المرسلين لا يخافون وكذلك مَن ظلم من سائر الناس لا يخافون إذا بدَّلوا ظلمهم بالتوبة والأفعال الحسنة .

وهذا الاحتمال قريبٌ من الاحتمال الرابع ولكنَّه أجود منه، وذلك لأنَّه لا يقتضي التقدير لكلامٍ محذوف كما هو الاحتمال الرابع، نعم بناءً على هذا الاحتمال يكون الاستثناء منقطعاً وليس متصلاً ومؤدَّاه الاستدراك لدفع وهمٍ مقدَّر قد يتوهَّمه المتلقِّي لقوله تعالى: ﴿إِنِّي لَا يَخَافُ لَدَيَّ الْمُرْسَلُونَ﴾ فإنَّ المتلقِّي لهذه الفقرة من الآية قد يَتوهَّم أنَّ غير المرسلين ليسوا آمنين فجاءت الآية لتوضيح الحال فيما يتَّصل بغير المرسلين فأفادت أنَّ غير المرسلين يكونون آمنين إذا بدَّلوا ظلمهم بالتوبة والأفعال الحسنة.

وخلاصة القول: إنَّ الآية لا تصلحُ دليلاً على نفي عصمة الأنبياء (ع) وذلك لعدم ظهورها في أنَّ قوله: ﴿إِلَّا مَنْ ظَلَمَ﴾ استثناءٌ متَّصل من المرسَلين، فهي تحتمل أكثر من معنى، فهي لذلك مجملة من هذه الجهة، بل يتعيَّن الجزم بعدم إرادة الاحتمال المذكور في السؤال، وذلك لقيام الأدلَّة القطعيَّة على عدم صدور الظلم من المرسَلين. فيكون المقام من قبيل ما يظهر بدْواً مِن بعض الآيات أنَّ لله تعالى جارحةً كقوله تعالى: ﴿مَا مَنَعَكَ أَنْ تَسْجُدَ لِمَا خَلَقْتُ بِيَدَيَّ﴾(7) فإنَّ المستظهَر بدواً من هذه الآية أنَّ لله تعالى يدين إلا أنَّه حيث قام الدليلُ القطعي على أنَّ الله تعالى منزَّهٌ عن أن يكون جسماً لذلك يتعيَّن نفي هذا الاستظهار البدْوي وحملُ الآية على إرادة معنىً لا يستلزمُ التجسيم. كذلك المقام فأنَّه حيث قام الدليل القطعي على عدم صدور الظلم من المرسَلين لذلك يتعيَّن حملُ الآية على معنى لا يستلزمُ البناء على صدور الظلم من المرسَلين.

والحمد لله ربِّ العالمين

 

الشيخ محمد صنقور

2 / شوال / 1445ه

11 / إبريل / 2024م.

----------------------

1- سورة النمل / 10-11.

2- تفسير مجمع البيان -الطبرسي- ج7 / ص366.

3- سورة النحل / 59.

4- الاتقان في علوم القرآن- السيوطي- ص443.

5- سورة البقرة / 150.

6- الميزان في تفسير القرآن -السيد الطباطبائي-ج15 / ص345.

7- سورة ص / 75.