تحديد دلالة آية بيعة الرضوان تحت الشجرة
بسم الله الرحمن الرحيم
اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد
المسألة:
ورد في كتاب الله تعالى قوله: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِي قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَابَهُمْ فَتْحًا قَرِيبًا﴾(1).
ما هو المقصود من الرضا في هذه الآية المباركة؟ وهل الرضا يشمل كلَّ من بايعوا تحت الشجرة وهل من رضيَ الله عنهم في هذه الآية مرضيٌّ عنهم مطلقاً من قبل الله سبحانه فإنَّ البعض يُحاولون إثباتَ عدالة كلِّ بايع بيعة الرضوان استناداً لهذه الآية؟
الجواب:
تتحدَّث الآية المباركة عن بيعة الحديبيَّة التي يعبَّر عنها ببيعة الرضوان وبيعة الشجرة، وكانت في السنة السادسة للهجرة قبل فتح خيبر.
حدود مدلول آية بيعة الرضوان:
ومفاد الآية المباركة أنَّ الله تعالى قد رضيَ عن المؤمنين الذين بايعوا الرسول الكريم (ص) تحت الشجرة، فهي تُخبر عن رضاه جلَّ وعلا عن خصوص المؤمنين الذين بايعوا النبيَّ (ص) تحت الشجرة، ولا تخبرُ عن رضاه عن جميع من بايعوه تحت الشجرة، فلم تذكر الآية أنَّ الله تعالى قد رضيَ عن كلِّ مَن بايعوه تحت الشجرة وإنَّما ذكرتْ أنَّه تعالى قد رضيَ عن المؤمنين منهم، فلو كان المراد من الآية أنَّ الله تعالى قد رضيَ عن جميع مَن بايعوه تحت الشجرة لقال: لقد رضي الله عمَّن بايعوك تحت الشجرة، لكنَّه لم يقل ذلك وإنَّما قال تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ فالذين أخبرت الآيةُ عن أنَّ الله تعالى قد رضيَ عنهم هم المؤمنون الذين بايعوا النبيَّ الكريم (ص) تحت الشجرة وأمَّا غير المؤمنين -وهم المنافقون- فلم تذكر الآيةُ أنَّ الله تعالى قد رضيَ عنهم.
وعليه لا يصحُّ التمسُّك بالآية لإثبات أنَّ الله تعالى قد رضيَ عن هذا أو ذاك لمجرَّد أنَّه كان ممَّن بايع تحت الشجرة، لأنَّ الآية لم تذكر أنَّ الله تعالى قد رضيَ عن كلِّ من بايع تحت الشجرة وإنَّما ذكرت أنَّه تعالى قد رضيَ عن المؤمنين منهم، فلا بدَّ لإثبات أنَّ الله قد رضيَ عن هذا أو ذاك من إثبات أنَّه من المؤمنين وعندها يثبتُ أنَّ الله تعالى قد رضيَ عنه إذا كان ممَّن بايعَ تحت الشجرة، فالآية لم تتصدَّ لبيان من هم المؤمنون ومَن هم غير المؤمنين فيتعيَّن إثبات ذلك من خارج الآية وعندها يُمكن تحديد مَن رضيَ الله عنهم من غيرهم.
فمساق الآية هو مساق قولنا: لقد رضيَ اللهُ عن العلماء الذين سافروا في هذه القافلة هذا العام للحج. فهنا لا يمكن القول بأنَّ كلَّ من سافر في هذه القافلة للحج هذا العام أنَّه مرضيٌّ عنه بل لا بدَّ من إثبات أنَّ هذا أو ذاك من العلماء، وحينذاك يثبت أنَّه ممَّن رضي الله عنه. فالفقرة المذكورة لم تُحدد مَن هم العلماء لذلك نحتاج لأثبات أنَّ هذا من المرضيين إلى إثبات أنَّه من العلماء فلا يكفي لإثبات كونه من المرضيين أنَّه ممَّن سافر للحج هذا العام في هذه القافلة. كذلك هو الشأن في المقام فإنَّه لا يمكن إثبات أنَّ هذا أو ذاك من المرضيين لمجرَّد أنَّه ممَّن بايع تحت الشجرة بل يتعيَّن الإثبات من خارج الآية أنَّه من المؤمنين وليس من المنافقين وحينذاك يثبت أنَّه من المرضيين لأنَّه ممَّن بايع تحت الشجرة.
وببيانٍ آخر: الآية لم تُخاطب الذين بايعوا تحتَ الشجرة وتقول لهم أيُّها المبايعون تحت الشجرة لقد رضيَ الله عنكم كما أنَّها لم تُخبر عن أنَّ الله تعالى قد رضيَ عن الذين بايعوا تحت الشجرة، وكذلك فإنَّ الآية لم تقل أنَّ الذين بايعوا تحتَ الشجرة مؤمنون وأنَّ الله تعالى قد رضيَ عنهم لأنَّهم بايعوا تحت الشجرة. وإنَّما أخبرت عن أنَّ الله تعالى قد رضيَ عن المؤمنين الذين بايعوا تحت الشجرة، أمَّا مَن هم هؤلاء المؤمنون وهل كان جميع مَن بايع تحت الشجرة من المؤمنين فالآية غيرُ متصدِّية لبيان ذلك.
ثم إنَّه لا يختلف مدلول الآية من الجهة التي بيَّناها سواءً قلنا إنَّ قوله تعالى: ﴿إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ ظرف متعلِّق برضي أو كان تعليلاً للرضا، فعلى كلا التقديرين يكون مدلول الآية هو أنَّ المرضيَّ عنهم هم المؤمنون ممَّن بايعوا تحت الشجرة، ولا تصدِّي للآية المباركة لبيان مَن هم المؤمنون من غيرهم ممَّن بايع تحتَ الشجرة. هذا أولاً
الرضا معلَّق ضمناً على عدم ارتكاب ما يُوجب السخط:
وثانياً: لو سُلِّم -جدلاً- أنَّ مفاد الآية هو أنَّ الله تعالى قد رضيَ عن جميع مَن بايع تحت الشجرة فإنَّه لا دلالة فيها على أكثر من أنَّه تعالى قد رضيَ عنهم في ذلك الظرف، فهي لا تدلُّ على أنَّه تعالى ظلُّ راضياً عنهم جميعاً حتى من ارتكب منهم فيما بعد كبائر الذنوب، لذلك لم يفهم أحدٌ ممَّن بايع تحت الشجرة أنَّه في منئىً من سخط الله تعالى إلى أنْ يموت، ولا يسع مِن أحدٍ أن يدَّعي ذلك لهم وأن يتألى على الله جلَّ وعلا، ولذلك لو قال الله تعالى إنِّي قد سخطتُ على فلان ممَّن بايع تحت الشجرة فإنَّ هذا القول لا يُناقض الآية فإنَّه تعالى قد رضيَ عنه في ذلك الظرف وليس إلى الأبد. فالرضا معلَّق ضمناً على عدم ارتكاب ما يُوجب السخط، ومِن أين لنا العلم أنَّه لم يرتكب أحدٌ ممَّن بايع تحت الشجرة ما يُوجب السخط. بل العلم قائمٌ على أنَّ عدداً منهم قد ارتكب ما يُوجب السخط الإلهي. ويكفي لإثبات ذلك رواياتُ الحوض المستفيضة إن لم تكن متواترة إحمالاً التي أوردها البخاري في صحيحه وأوردها مسلم في صحيحه وكذلك غيرهما، فمِن ذلك ما أورده البخاري في صحيحه بسنده عن ابن المسيَّب أنه كان يحدث عن أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ النبي صلَّى الله عليه وآله وسلم قال: يرد عليَّ الحوضُ رجالٌ من أصحابي فيُحلؤون عنه فأقولُ يا ربِّ أصحابي فيقول: إنَّك لا علم لك بما أحدثوا بعدك إنَّهم ارتدُّوا على أدبارهم القهقري -إلى أن قال-: عن عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبيَّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: "بينا أنا قائمٌ فإذا زمرةٌ حتى إذا عرفتُهم خرج رجلٌ من بيني وبينهم فقال: هلم فقلت: أين قال: إلى النار والله قلتُ وما شأنُهم قال إنَّهم ارتدُّوا بعدك على أدبارهم القهقري ثم إذا زمرةٌ حتى إذا عرفتُهم خرج رجلٌ من بيني وبينهم فقال: هلمَّ قلتُ أين؟ قال: إلى النار والله قلتٌ ما شأنٌهم قال: إنَّهم ارتدُّوا بعدك على أدبارهم القهقري، فلا أراه يخلصُ منهم إلا مثل همل النعم"(2) فلا ينجو بحسب الرواية سوى مقدار همل النعم يعني القليل.
الرضا معلَّق على الوفاء بالبيعة ومغيَّى بعدم نكثها:
ثالثاً: إنَّ الرضا معلَّق على الوفاء بالبيعة ومغيَّى بعدم نكثها فإنَّ البيعة والتي هي الصفق على اليد ليس فيها مؤنة وإنما المؤنة والتمحيص والامتحان الشاق والصعب في الوفاء بمقتضيات البيعة، وقد نصَّ القرآن المجيد على ذلك في سورة الفتح نفسها قال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ يُبَايِعُونَكَ إِنَّمَا يُبَايِعُونَ اللَّهَ يَدُ اللَّهِ فَوْقَ أَيْدِيهِمْ فَمَنْ نَكَثَ فَإِنَّمَا يَنْكُثُ عَلَى نَفْسِهِ وَمَنْ أَوْفَى بِمَا عَاهَدَ عَلَيْهُ اللَّهَ فَسَيُؤْتِيهِ أَجْرًا عَظِيمًا﴾(3) فهذه الآية تدلُّ على أن الرضا ليس ثابتاً لمَن بايع تحت الشجرة مطلقاً وعلى كلِّ حال وإنَّما هو معلَّقٌ على الوفاء بمقتضيات البيعة وعدم الاتيان بما يُوجب نقضَ البيعة. وهذا هو مفاد قوله تعالى: ﴿وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذَا عَاهَدْتُمْ وَلَا تَنْقُضُوا الْأَيْمَانَ بَعْدَ تَوْكِيدِهَا وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلًا﴾(4).
بيعة الرضوان كانت على الموت أو على عدم الفرار الزحف:
وقد ثبت أنَّ بيعة الرضوان في الحديبيَّة كانت على الموت أو على عدم الفرار الزحف، فقد أورد البخاري في صحيحه بسنده عن يزيد بن أبي عبيد قال: قلتُ لسلمة بن الأكوع على ايِّ شيءٍ بايعتم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الحديبية قال: "على الموت"(5)
وأورد أحمد بن حنبل بسنده عن معقل بن يسار انَّه شهد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يوم الحديبية وهو رافع غصنا من أغصان الشجرة بيده عن رأس رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يبايع الناس فبايعوه على أن لا يفروا وهم يومئذ ألف وأربعمائة"(6).
وأورد الترمذي في سننه بسنده عن جابر بن عبد الله بن قوله تعالى: ﴿لَّقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ﴾ قال جابر: بايعنا رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم على أنْ لا نفرَّ ولم نبايعْه على الموت"(7) وكذلك أورد قريباً منه مسلمٌ في صحيحه(8).
الأكثر لم يفِ ببيعة الرضوان يوم حنين:
فسواءً كانت بيعة الرضوان في الحديبيَّة على الموت أو على عدم الفرار من الزحف فإنَّ الكثير بل الأكثر ممَّن بايع بيعة الرضوان تحت الشجرة لم يفِ بهذه البيعة يوم حنين كما نصَّ على ذلك القرآن المجيد في سورة التوبة قال تعالى: ﴿لَقَدْ نَصَرَكُمُ اللَّهُ فِي مَوَاطِنَ كَثِيرَةٍ وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَتْكُمْ كَثْرَتُكُمْ فَلَمْ تُغْنِ عَنْكُمْ شَيْئًا وَضَاقَتْ عَلَيْكُمُ الْأَرْضُ بِمَا رَحُبَتْ ثُمَّ وَلَّيْتُمْ مُدْبِرِينَ﴾(9) فقد صرَّحت الآيةُ أنَّهم ولَّوا مدبرين رغم بيعتِهم على الموت أو على عدم الفرار من الزحف.
هذا وقد أخرج البخاري بسنده عن أبي إسحاق سمع البراء وسأله رجلٌ من قيس أفررتم عن رسول الله صلَّى الله عليه وآله وسلم يوم حنين؟ فقال: لكنَّ رسولَ الله صلى الله عليه وآله وسلم لم يفر"(10).
قال ابن قتيبة: "وكان الذين ثبتوا مع رسول الله (صلى الله عليه وآله) يوم حنين، بعد هزيمة الناس: عليُّ بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب آخذ بحكمة بغلته، وأبو سفيان بن الحارث بن عبد المطلب، وابنه، والفضل بن العباس بن عبد المطلب، وأيمن بن عبيد، وهو ابن أم أيمن مولاة رسول الله (صلى الله عليه وآله) وحاضنته، وقتل يومئذٍ هو وابن أبي سفيان، ولا عقب لابن أبي سفيان، وربيعة بن الحارث بن عبد المطلب، وأسامة بن زيد بن حارثة"(11).
الكثير لم يفِ ببيعة الرضوان يوم خيبر:
وكذلك هو الشأن يوم خيبر الذي كان بعد بيعة الرضوان بشهورٍ معدودة، فقد أخرج -مثلاً- ابنُ أبي شيبة في المصنَّف قال: حدثنا عبيد الله قال حدثنا نعيم بن حكيم عن أبي مريم عن عليٍّ قال: "سار رسولُ الله (ص) إلى خيبر، فلمَّا أتاها بعث عمرَ ومعه الناس إلى مدينتهم أو إلى قصرهم، فقاتلوهم فلم يلبثوا أنْ انهزم عمرُ وأصحابُه، فجاء يُجبِّنهم ويُجبِّنونه، فساءَ ذلك رسولَ الله (ص) فقال: "لأبعثنَّ إليهم رجلاً يُحبُّ اللهَ ورسولَه ويُحبُّه اللهُ ورسولُه، يقاتلُهم حتى يفتحَ اللهُ له، ليس بفرَّار، فتطاول الناس لها، ومدٌّوا أعناقهم يُرونه أنفسَهم رجاءَ ما قال، فمكثَ ساعةً ثم قال: أين عليٌّ؟ فقالوا: هو أرمد، فقال: ادعوه لي، فلمَّا أتيتُه فتح عيني ثم تفل فيهما ثم أعطاني اللواءَ فانطلقتُ به سعياً خشية أنْ يحدث رسول الله (ص) فيهم حدثاً أو فيَّ، حتى أتيتُهم فقاتلتُهم، فبرز مرحبٌ يرتجز، وبرزتُ له أرتجز كما يَرتجزُ حتى التقينا، فقتلَه الله بيدي، وانهزم أصحابُه فتحصَّنوا وأغلقوا الباب، فأتينا الباب، فلم أزل أُعالجُه حتى فتحَه اللهُ"(12).
وأخرج الحاكم النيسابوري في المستدرك بسنده عن جابر رضي الله عنه ان النبي صلى الله عليه وآله دفع الراية يوم خيبر إلى عمر رضي الله عنه فانطلق فرجع يُجبِّن أصحابه ويُجبِّنونه هذا حديث صحيح على شرط مسلم ولم يخرجاه(13).
وعن ابن عباس- كما في مجمع الزوائد- قال: بعث رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى خيبر أحسبه قال أبا بكر فرجع منهزماً ومَن معه فلمَّا كان من الغد بعث عمر فرجع منهزماً يُجبِّن أصحابه ويُجبِّنه أصحابُه فقال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: لأُعطينَّ الراية غداً رجلاً يحب اللهَ ورسولَه ويُحبُّه اللهُ ورسولُه لا يرجع حتى بفتحَ اللهُ عليه، فثار الناس فقال: أين علي فإذا هو يشتكي عينيه فتفل في عينيه ثم دفع إليه الراية فهزَّها ففتح الله عليه"(14).
وأخرج ابن أبي شيبة في المصنف قال: حدثنا هوذة بن خليفة قال حدثنا عوف عن ميمون أبي عبد الله عن عبد الله بن بريدة الأنصاري الأسلمي عن أبيه قال: لما نزل رسول الله (ص) بحضرة خيبر فزع أهل خيبر وقالوا: جاء محمد في أهل يثرب، قال: فبعث رسولُ الله (ص) عمر بن الخطاب بالناس فلقيَ أهل خيبر، فردوه وكشفوه هو وأصحابه فرجعوا إلى رسول الله (ص) يُجبِّن أصحابه ويُجبِّنه أصحابه، قال: فقال رسول الله (ص): "لأعطين اللواء غداً رجلاً يحبُّ اللهَ ورسولَه، ويُحبُّه اللهُ ورسولُه، قال: فلمَّا كان الغد تصادر لها أبو بكر وعمر قال: فدعا عليَّاً وهو يومئذٍ أرمد، فتفلَ في عينه وأعطاه اللواء، قال: فانطلق بالناس، قال: فلقي أهلَ خيبر ولقيَ مرحباً الخيبري وإذا هو يرتجز ويقول:
قد علمتْ خيبرُ أنِّي مرحب ** شاكي السلاح بطلٌ مجرِّبُ
إذا الليوثُ أقبلتْ تلهَّبُ ** أطعنُ أحياناً وحيناً أضربُ
قال: فالتقى هو وعليٌّ فضربه ضربًة على هامته بالسيف، عضَّ السيفُ منها بالأضراس، وسَمع صوتَ ضربتِه أهلُ العسكر، قال: فما تتامَّ آخرُ الناس حتى فتحَ لأولِهم"(15).
النقض ببعض الأسماء الذين بايعوا بيعة الرضوان:
ونختم بذكر بعض الأسماء الذين بايعوا بيعة الرضوان وهم معروفون بالنفاق أو غير مرضيين لدى القائلين بأنَّ الآية تدلُّ على أنَّ الله تعالى قد رضيَ عن كلِّ مَن بايع تحت الشجرة بيعة الرضوان.
الأول: عبد الله بن أبي سلول المعروف بأنَّه كان رأس المنافقين، فقد كان ممَّن شهد الحديبيَّة وشهدها معه أتباعُه على رأيه ونفاقه(16) وبايع فيمن بايع بيعة الرضوان حيث لم يتخلَّف عن بيعة الرضوان ممَّن شهد الحديبية سوى الجدِّ بن قيس الأنصاري كما أورد ذلك مسلم في صحيحه والطبري في جامع البيان وغيرهما عن جابر بن عبد الله قال: "فبايع رسول الله (ص) الناس، ولم يتخلَّف عنه أحد من المسلمين حضرها إلا الجدُّ بن قيس أخو بني سلمة، كان جابر بن عبد الله يقول: لكأنِّي أنظر إليه لاصقاً بإبط ناقته، قد اختبأ إليها، يستترُ بها من الناس، ثم أتى رسول الله (ص) أن الذي ذكر من أمر عثمان باطل" وفي مسند أحمد "فبايعناه كلنا الا الجد بن قيس"(17).
الثاني: عبد الرحمن بن عديس البلوي صحابي شهد الحديبية وبايع بيعة الرضوان تحت الشجرة(18) إلا أنَّه كان ممن شارك في حصار عثمان بل كان الأمير على الجيش الذين حصروا عثمان وقتلوه" قال في الاستيعاب: عبد الرحمن بن عديس البلوي، مصري شهد الحديبية، ذكر أسد بن موسى، عن أبي لهيعة، عن يزيد بن أبي حبيب قال: كان عبد الرحمن بن عديس ممَّن بايع تحت الشجرة رسول الله صلى الله عليه وآله، قال أبو عمر: كان الأمير على الجيش الذين حصروا عثمان وقتلوه"(19) وقال ابن حجر في الاصابة: "عبد الرحمن بن عديس البلوي .. وقال بن يونس بايع تحت الشجرة وشهد فتح مصر واختط بها وكان من الفرسان ثم كان رئيس الخيل التي سارت من مصر إلى عثمان في الفتنة"(20).
الثالث: أبوالغادية صحابي شهد بيعة الرضوان وهو قاتل عمار بن ياسر(21): "قال ابن حزم الأندلسي في كتابه الفصل: وعمار رضي الله عنه قتله أبو الغادية يسار ابن سبع السلمي، شهد بيعة الرضوان، فهو من شهداء الله له بأنه علم ما في قلبه، وأنزل السكينة عليه ورضي عنه، فأبو الغادية رضي الله عنه متأول مجتهد مخطئ فيه باغ عليه مأجور أجرا واحدا"(22) وقد قال رسول الله (ص): "قاتل عمّار وسالبه في النار"(23) وكان أبو الغادية في الفئة الباغية الذين قال رسول الله (ص): "تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار" وقال (ص): "تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار"(24).
فوجود المنافقين ضمن مَن بايع تحت الشجرة يدلُّ على أنَّ الرضا الذي تحدَّثت عنه الآية لا يشملُ جميع مَن بايع تحت الشجرة، إذ أنَّ الله تعالى لا يرضى عن المنافقين، وهو ما يؤكد أنَّ الذين رضيَ الله تعالى عنهم إنَّما هم المؤمنون ممَّن بايع تحت الشجرة، وعليه لا يصحُّ التمسك بالبيعة لإثبات الرضا عن هذا أو ذاك بل يحتاج إثبات الرضا لهذا أو ذاك إلى إثبات أنَّه من المؤمنين، ولا يكفي إثبات أنَّه ممَّن بايع تحت الشجرة.
والحمد لله ربِّ العالمين
الشيخ محمد صنقور
26 / جمادى الأولى / 1447ه
18 / نوفمبر / 2025م
1- سورة الفتح / 18.
2- صحيح البخاري ج7 / ص208. لاحظ: صحيح البخاري ج4 / ص110، 142، ج5 / ص240، ج7 / ص206، 207، 208، ج8 / ص87، مسند أحمد -أحمد بن حنبل- ج1 / ص 235، 384، 402، 406، 439، ج2/ 408، 454، ج3 / ص28، ج3 / ص281، ج5 / ص28، 48، 388، 393، 400، صحيح مسلم -مسلم النيسابوري- ج1 / ص150، ج7 / ص68، ج8 / ص157، المستدرك على الصحيحين -الحاكم النيسابوري- ج4 / ص75، السنن الكبرى -النسائي- ج4 / ص117، سنن الترمذي -الترمذي- ج4 / ص39، ج5 / ص4، سنن ابن ماجه -محمد بن يزيد القزويني- ج2 / ص1016، 1440، المصنف -الصنعاني – ج11 / ص407، المصنف -ابن أبي شيبة- 415، ج8 / ص139، 602.
3- سورة الفتح / 10.
4- سورة النحل / 91.
5- صحيح البخاري -البخاري- ج5 / ص65
6- مسند أحمد ج5 / ص25. صحيح مسلم ج6 / ص26.
7- السنن الكبرى -الترمذي- ج3/ 75.
8- صحيح مسلم -مسلم النيسابوري- ج6 / ص25.
9- سورة التوبة / 25.
10- صحيح البخاري -البخاري- ج5 / ص99.
11- المعارف -ابن قتيبة الدينوري- ص164، روى الشيخ الصدوق بسنده عن عن المغيرة بن الحارث بن نوفل بن الحارث عن أبيه عن جده قال نوفل بن الحارث بن عبد المطلب: (فر الناس جميعاً، وأعْرَوْا رسول الله (صلى الله عليه وآله) فلم يبقَ معه إلا سبعة نفر من بني عبد المطلب: العباس، وابنه الفضل، وعلي وأخوه عقيل، وأبو سفيان، وربيعة، ونوفل بنو الحارث بن عبد المطلب. ورسول الله (صلى الله عليه وآله) مصلت سيفه في المجتلد، وهو على بغلته الدلدل، وهو يقول: أنا النبيُّ لا كذبْ * أنا ابن عبد المطلب إلى أن قال: « التفت العباس يومئذٍ وقد أقشع الناس عن بكرة أبيهم، فلم ير علياً فيمن ثبت فقال: شوهة بوهة، أفي مثل هذا الحال يرغب ابن أبي طالب بنفسه عن رسول الله وهو صاحب ما هو صاحبه، يعني المواطن المشهورة له؟! فقلت: نقِّص قولك لابن أخيك يا أبهْ! قال: ما ذاك يا فضل؟ قلت: أما تراه في الرعيل الأول، أما تراه في الرهج؟ قال: أشعره لي يا بنيَّ. قلت: ذو كذا، ذو البردة. قال: فما تلك البرقة؟ قلت: سيفه يزيّل به بين الأقران! قال: برٌّ، ابن برّ، فداه عمٌّ وخال! قال: فضرب علي يومئذٍ أربعين مبارزاً كلهم يقدُّه حتى أنفه، قال: وكانت ضرباته مبتكرة" الأمالي -الصدوق- ص574، قال اليعقوبي: "ثم كانت وقعة حنين .. وكان يوما عظيم الخطب وانهزم المسلمون عن رسول الله (صلى الله عليه وآله) حتى بقي في عشرة من بني هاشم، وقيل تسعة وهم: علي بن أبي طالب، والعباس بن عبد المطلب، وأبو سفيان بن الحارث، وعتبة ومعتب ابنا أبي لهب، والفضل بن العباس، وعبد الله بن الزبير بن عبد المطلب. وقيل: أيمن ابن أم أيمن" تاريخ اليعقوبي ج2 / ص62، ابن حجر في فتح الباري:"قال لما فر الناس يوم حنين جعل النبي صلى الله عليه وسلم يقول أنا النبي لا كذب أنا ابن عبد المطلب فلم يبق معه إلا أربعة نفر
ثلاثة من بني هاشم ورجل من غيرهم عليٌ والعباس بين يديه وأبو سفيان بن الحرث آخذ بالعنان وابن مسعود .." ج8 / ص23، السيرة الحلبية -الحلبي- ج3 / ص67،
12- المصنف -ابن أبي شيبة- ج8 / ص525، أورده المتقي الهندي وقال رواه البزاز ونده حسن ج10 / ص462.
13- المستدرك على الصحيحين -الحاكم النيسابوري- ج3 / ص38، مسند البزاز ج10 / ص318، وأخرج الحاكم النيسابوري في المستدرك على الصحيحين بسنده عن أبي موسى الحنفي عن علي رضي الله عنه قال سار النبي صلى الله عليه وآله إلى خيبر فلما اتاها (بعث عمر رضى الله تعالى عنه وبعث معه الناس إلى مدينتهم أو قصرهم فقاتلوهم فلم يلبثوا ان هزموا عمر وأصحابه فجاؤوا يجبنونه ويجبنهم فسار النبي صلى الله عليه وآله" الحديث * هذا حديث صحيح الاسناد ولم يخرجاه ج3 / ص37، وصححه الذهبي في التلخيص رقم الحديث 4340 -
14- مجمع الزوائد -الهيثمي- ج9 / ص124.
15- المصنف -ابن أبي شيبة – ج8 / ص522، ج8 / ص525 ورد فيه: "فلم يلبثوا أن انهزم عمر وأصحابه، فجاء يجبنهم ويجبنونه" خصائص أمير المؤمنين -النسائي- ص54، جامع الأحاديث -السيوطي- ج16 / ص136، مسند البزاز ج11 / ص327، تاريخ مدينة دمشق -ابن عساكر- ج42 / ص97.
16- روى الواقدي في المغازي قال حدثني جابر بن سليم عن صفوان بن عثمان قال: فكانت قريش قد أرسلت إلى عبد الله بن أبي: إن أحببت أن تدخل فتطوف بالبيت فافعل. وابنه جالس عنده فقال له ابنه: يا أبت أذكرك الله أن تفضحنا في كل موطن تطوف بالبيت ولم يطف رسول الله فأبى ابن أبي وقال: لا أطوف حتى يطوف رسول الله. فبلغ رسول الله صلى الله عليه وسلم كلامه ذلك فسر به" ج1 / ص605.
17- جامع البيان -الطبري- ج26 / ص112، أسد الغابة -ابن الأثير- ج1 / ص274، دلائل النبوة -البيهقي- ج4 / ص135، تاريخ الإسلام -الذهبي- ج2 / ص384، البداية والنهاية -ابن كثير- ج4 / ص191، السيرة النبوية -ابن هشام- ج3 / ص781، تفسير البغوي -البغوي- ج4 / ص194، مسند أحمد -أحمد بن حنبل- ج3 / ص396، وفي صحيح مسلم: "فبايعناه غير جد بن قيس الأنصاري" ج6 / ص25.
18- المصنف -ابن أبي شيبة ج7 / ص492، ج8 / ص43، الاستذكار -ابن عبد البر- ج2 / ص389، السنَّة -ابن أبي عاصم- ص581، الإصابة -ابن حجر- ج4 / ص281، ج5 / ص181، أنساب الأشراف -البلاذري- ج5 / ص486، تاريخ الإسلام -الذهبي- ج3 / ص531.
19- الاستيعاب -ابن عبد البر- ج2 / ص840، الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج3 / ص65، 71، الثقات -ابن حبان- ج2 / ص256، تاريخ الإسلام -الذهبي- ج3 / ص438، 441،
20- الإصابة -ابن حجر- ج4 / ص281.
21- أسد الغابة -ابن الأثير- ج5 / ص 124، 267، الاستيعاب -ابن عبد البر- ج3 / ص1139، ج4 / ص1725، ميزان الاعتدال -الذهبي- ج1 / ص488، الإصابة -ابن حجر- ج7 / ص260، أنساب الأشراف -البلاذري- ج1 / ص170، 172، سير أعلام النبلاء -الذهبي- قال: حدثنا كلثوم بن جبر، عن أبي الغادية، قال سمعت عمارا يقع في عثمان يشتمه. فتوعدته بالقتل، فلما كان يوم صفين، جعل عمار يحمل على الناس، فقيل: هذا عمار، فطعنته في ركبته، فوقع فقتلته، فقيل: قتل عمار. وأخبر عمرو بن العاص، فقال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: "إنَّ قاتله وسالبه في النار "ج1 / ص425،
22- الفصل في الملل والأهواء والنحل -ابن حزم الأندلسي القرطبي- ج4 / ص125، سير أعلام النبلاء -الذهبي- ج2 / ص544.
23- مسند أحمد -أحمد بن حنبل- "إن قاتله وسالبه في النار" ج4 / ص198، المستدرك على الصحيحين -الحاكم النيسابوري- ج3 / ص387، مجمع الزوائد -الهيثمي- قال: رواه أحمد والطبراني بنحوه إلا أنه قال عن عبد الله بن عمرو أن رجلين أتيا عمرو بن العاص يختصمان في دم عمار وسلبه فقال خليا عنه فاني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول إن قاتل عمار وسالبه في النار، ورجال أحمد ثقات، وقال في موضع آخر: رواه الطبراني وقد صرح ليث بالتحديث ورجاله رجال الصحيح ج7 / ص244، ج9 / ص297، سير أعلام النبلاء -الذهبي- ج1 / ص425، أنساب الأشراف -البلاذري- ج1 / ص173، ج2 / ص315، الطبقات الكبرى -ابن سعد- ج3 / ص261.
24- قال المناوي في فيض القدير: قال ابن حجر: حديث تقتل عمارا الفئة الباغية رواه جمع من الصحابة منهم قتادة وأم سلمة وأبو هريرة وابن عمر وعثمان وحذيفة وأبو أيوب وأبو رافع وخزيمة بن ثابت ومعاوية وعمرو بن العاص وأمية وأبو اليسر وعمار نفسه وغالب طرقه كلها صحيحة أو حسنة وفيه علم من أعلام النبوة وفضيلة ظاهرة لعلي وعمار ورد على النواصب الزاعمين أن عليا لم يكن مصيبا في حروبه" فيض القدير شرح الجامع الصغير -المناوي- ص613، في صحيح البخاري روى بسنده عن أبي سعيد عن ارسول (ص) قال: ويح عمار تقتله الفئة الباغية عمار يدعوهم إلى الله ويدعونه إلى النار" ج3 / ص207، مسند أحمد -أحمد بن حنبل- ويح عمار تقتله الفئة الباغية يدعوهم إلى الجنة ويدعونه إلى النار" ج3 / ص91، المستدرك على الصحيحين -الحاكم النيسابوري- وصححه ج2 / ص149، ج2 / ص155 وصححه.