﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ ..﴾ لا تدلُّ على تزكية أحد

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

قوله تعالى من سورة التوبة: ﴿وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنْصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُمْ بِإِحْسَانٍ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا أَبَدًا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾(1) أليس في الآية دلالة على تزكية فلانٍ وفلان لكونهما من السابقين الأولين.

الجواب:

السابقون إلى الإيمان من المهاجرين والأنصار:

مفاد الآية المباركة أنَّ السابقين إلى الإيمان من المهاجرين والأنصار وكذلك الذين اتَّبعوهم بإحسان هؤلاء جميعاً قد رضيَ اللهُ عنهم ورضوا عنه، فالآية لا تزكِّي أحداً بعينه وإنَّما تُخبر عن أنَّ الله تعالى قد رضيَ عمَّن سبق إلى الإيمان من المهاجرين والأنصار، والإيمان أمرٌ قلبي لا يعلمه من أحدٍ، فليس في وسع أحدٍ أنْ يُشير إلى شخصٍ بعينه فيقول إنَّ هذا قد سبَق إلى الإيمان الحقيقي فهو إذن مشمولٌ لمدح الآية، فقد يكون سبَق إلى الإعلان عن إسلامه لكنَّه لم يكن صادقاً في دعواه، إذ من الممكن أنَّ باعثه على الإعلان عن إسلامه هو النفاق.

إذن فالآيةُ ليس فيها دلالة على تزكية أحدٍ بعينه، فهي متصدِّية لبيان أنَّ الله تعالى قد رضيَ عمَّن سبق للإيمان، وأمَّا من هم الذين سبقوا للإيمان فذلك ما لا يسعنا إحرازه لأحدٍ من الآية، فقد يكون باعث بعض من سبَق إلى الإسلام هو النفاق، وبذلك لا يكون قد سبق إلى الإيمان وإنْ كان قد سبق إلى الإسلام.

وبتعبير آخر: إنَّ الآية لم تقل أنَّ كلَّ المهاجرين والأنصار قد رضيَ الله عنهم وإنَّما قالت السابقين إلى الإيمان من المهاجرين والأنصار قد رضيَ الله عنهم، أما مَن هم الذين سبقوا إلى الإيمان فذلك ما لا يُعرف من الآية كما لا يمكن معرفته من طريق الوقوف على من سبق للإسلام، لأنَّ السبق للإسلام لا يكشف عن السبق للإيمان، فقد يكون بعض مَن سبق للإسلام منافقاً. لذلك لا يُمكن الاستدلال بالآية على تزكية أحدٍ لمجرَّد أنَّه كان من السابقين للإسلام. لأنَّ السبق للإسلام لا يساوق السبق للإيمان.

إذا كان المراد السابقين إلى الهجرة والنصرة:

ولو قيل إنَّ المراد من السابقين الأولين هم السابقون إلى الهجرة والنصرة، فكذلك لا تدلُّ الآية على تزكية أحدٍ بعينه ممَّن سبق إلى الهجرة والنصرة ما لم يثبت أنَّه فعل ذلك إخلاصاً لله تعالى، فالسبق إلى الهجرة والنصرة لا يكشف بنفسه عن الإخلاص لله تعالى، فقد يسبق أحدٌ إلى الهجرة والنصرة وباعثه على ذلك النفاق أو غير ذلك من الغايات غير القربيَّة، وكلُّ آية تصدَّت لمدح القائمين بطاعةٍ من الطاعات فإنَّها متضمِّنة يقيناً لشرط الإخلاص لله تعالى، إذ أنَّ الطاعات لا تكون مقبولةً ومرضيَّةً لله جلَّ وعلا ما لم يكن باعثُها الإخلاصَ لله تعالى كما قال جلَّ وعلا: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ﴾(2).

ولهذا فكلُّ آيةٍ تضمنت الوعد بالجنَّة أو امتدحت قوماً على قيامهم بطاعةٍ من الطاعات فهي مشروطة ضمناً بالإخلاص لله تعالى، وعليه، فلا يمكن تزكية أحدٍ لمجرَّد أنَّه مارس هذه الطاعة ما لم يُحرَز أنَّه مارسها عن إخلاص لله تعالى، فمثلاً قوله تعالى: ﴿لَكِنِ الرَّسُولُ وَالَّذِينَ آَمَنُوا مَعَهُ جَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ وَأُولَئِكَ لَهُمُ الْخَيْرَاتُ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ / أَعَدَّ اللَّهُ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا ذَلِكَ الْفَوْزُ الْعَظِيمُ﴾(3) فلا يمكن أن نقول استناداً إلى هذه الآية أنَّ كلَّ من كانوا مع الرسول (ص) وجاهدوا معه بأموالهم وأنفسهم أنَّهم مفلحون وأنهم سيدخلون الجنَّة، ويحظون بالفوز العظيم، إذ من البديهي الذي لا يختلف عليه مسلم أنَّ مجرَّد فعل الطاعة لا يكون سبباً للنجاة والفوز بالجنَّة ما لم ينشأ ذلك عن إخلاصٍ لله تعالى، لذلك لا يُمكن تزكيةُ أحدٍ ممَّن كان مع الرسول (ص) وجاهد معه ما لم يُحرز من طريقٍ آخر أنَّه كان مُخلصاً. فكثيرٌ ممن كان مع الرسول (ص) وجاهدوا معه بأموالهم وأنفسهم كانوا منافقين، فهؤلاء لا يشملُهم الوعدُ بالنجاة والفوزُ بالجنَّة رغم أنّهم شاركوا في الجهاد.

كذلك هو الشأن في السابقين الأولين فإنَّه ليس كلُّ مَن سبَق إلى الهجرة والنصرة مشمولاً لقوله تعالى: ﴿رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ﴾ فإنَّ الله تعالى لا يرضى عن المنافقين أو مَن كانت هجرته لغير الله جلَّ وعلا، ولهذا لا يمكن تزكية أحدٍ لمجرَّد أنَّه سبق إلى الهجرة لاحتمال أنَّه فعل ذلك رياءً وسمعة أو نفاقاً أو لغير ذلك من الغايات الدنيوية، ولهذا ورد عن الرسول الكريم (ص)- كما في صحيح البخاري وغيره- أنَّه قال: "إنَّما الاعمال بالنيَّة وإنَّما لامرئٍ ما نوى، فمَن كانت هجرتُه إلى الله ورسولِه فهجرتُه إلى الله ورسوله، ومَن كانت هجرتُه إلى دنيا يُصيبُها أو امرأةٍ يتزوَّجُها فهجرتُه إلى ما هاجرَ إليه"(4).

القرآن والسنة يؤكِّدان أن الهجرة والجهاد منوط قبولهما بالإخلاص:

فمفاد الرواية أنَّه ليس كلُّ من هاجر فهجرتُه إلى الله تعالى ورسوله (ص) فثمة مَن كانت هجرته إلى دنيا يُصيبها ومثله لا تكون هجرتُه مرضيةً لله تعالى، فالطاعة الخارجية منوطٌ قبولها بالنية فمَن هاجر وكانت نيته لله تعالى فهجرتُه مرضية ومقبولة ومن كانت نيتُه لدنيا يُصيبُها فإنَّه لا يحظى بالقبول والرضا من الله تعالى، فمناط القبول وعدمه هو النية وهذا هو مفاد الحصر في قوله: "إنَّما الاعمال بالنيَّة" و"وإنَّما لامرئٍ ما نوى" ومن الواضح أنَّ النيَّة من شؤون القلب، ولهذا لا يسعنا أنْ نشير إلى أحدٍ بالتزكية لمجرَّد أنَّه سبَق إلى الهجرة، فلعلَّ نيته من هجرتِه دنيا يُصيبها أو امرأةٌ يتزوجها أو غير ذلك من القصود غير القربيَّة.

ولهذا نجد القرآن المجيد يؤكِّد على أنَّ الوعد بالأجر والمغفرة والنجاة يوم القيامة إنَّما هو لمَن هاجر وجاهد لله تعالى وفي سبيل الله، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي اللَّهِ مِنْ بَعْدِ مَا ظُلِمُوا لَنُبَوِّئَنَّهُمْ فِي الدُّنْيَا حَسَنَةً وَلَأَجْرُ الْآَخِرَةِ أَكْبَرُ لَوْ كَانُوا يَعْلَمُونَ﴾(5) فالذين سيحظون بالأجر الأكبر في الآخرة هم الذين هاجروا في الله، ومن أجل الله تعالى، وليس لكلِّ مَن هاجر حتى لو كانت هجرتُه لغير الله جلَّ وعلا.

وقال تعالى: ﴿الَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ أَعْظَمُ دَرَجَةً عِنْدَ اللَّهِ وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾(6) فالفائزون بحسب الآية المباركة هم الذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله، ومن أجل الله تعالى، وليس في سبيل التحصيل لمكاسب دنيوية، وقال تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ آَمَنُوا وَالَّذِينَ هَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أُولَئِكَ يَرْجُونَ رَحْمَةَ اللَّهِ وَاللَّهُ غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(7) فالموعودون في الآية برحمة الله تعالى وغفرانه هم الذين هاجروا وجاهدوا في سبيل الله، وليس غيره من السُبل، وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ هَاجَرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ ثُمَّ قُتِلُوا أَوْ مَاتُوا لَيَرْزُقَنَّهُمُ اللَّهُ رِزْقًا حَسَنًا وَإِنَّ اللَّهَ لَهُوَ خَيْرُ الرَّازِقِينَ﴾(8) وقال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ آَمَنُوا وَهَاجَرُوا وَجَاهَدُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَالَّذِينَ آَوَوْا وَنَصَرُوا أُولَئِكَ هُمُ الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَرِزْقٌ كَرِيمٌ﴾(9).

فهذه الآيات وغيرها إنَّما تمتدح المهاجرين والمجاهدين الذين تتمحَّض غايتهم من الهجرة والجهاد في الإخلاص لله تعالى، فمجرَّد الهجرة والنصرة لا تُصححان التزكية وليستا، مورداً للمدح والثناء، ولا مورداً للنجاة وحسن العاقبة في الآخرة ما لم يكن القصد منهما الإخلاص لله تعالى، فطبيعة القصد والنيَّة هي مناط التزكية وعدمها، وهي مناط المدح وعدمه، وهي مناط الفوز وعدمه. ومن المعلوم أنَّ القصد والنية من شؤون القلب التي لا يعلم بها إلا علَّام الغيوب، ولهذا لا يصحُّ الإشارة بالتزكية لأحدٍ بعينه لمجرَّد أنه كان فيمَن سبَق للهجرة والنصرة كما لا يصحُّ أن يقال إنَّ هذا من أهل الجنَّة وذاك من أهل الجنَّة لمجَّرد أنَّ الله تعالى وعد مَن سبق إلى الهجرة والنصرة بالجنَّة وأخبر بأنَّه قد رضي عنهم، لأنَّ الله إنَّما وعد المخلصين منهم، وهذا ما لا يمكن الوقوف عليه إلا من إخبار الله تعالى ورسوله (ص) أنَّ هذا بعينه زكيٌّ، وأنَّه تعالى قد رضيَ عنه، وأنَّه من أهل الجنَّة.

الرضا مراعى بالاستقامة والثبات إلى منتهى العمر:

والجواب الثالث هو أنَّه لو تمَّ التسليم بأنَّ الله تعالى قد رضي عمَّن سبق إلى الهجرة ولكن ذلك ليس إلى الأبد حتى لو ارتكب -هذا السابق للهجرة أو ذاك- كبائر الذنوب، ومات وهو ظالم لنفسه أو ظالم لأولياء الله أو لبعض عباد الله جلَّ وعلا، يقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ/ أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ خَالِدِينَ فِيهَا جَزَاءً بِمَا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾(10) فأصحاب الجنة الذين لا خوفٌ عليهم، ولا هم يحزنون هم الذين استقاموا، ويقول الله تعالى: ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ﴾(11).

ويقول الله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا / لِيَجْزِيَ اللَّهُ الصَّادِقِينَ بِصِدْقِهِمْ وَيُعَذِّبَ الْمُنَافِقِينَ إِنْ شَاءَ أَوْ يَتُوبَ عَلَيْهِمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ غَفُورًا رَحِيمًا﴾(12) فالذين سيُجزيهم الله أحسن الجزاء هم الصادقون الذين ما بدَّلوا تبديلا.

ويقول الله تعالى: ﴿وَمَا مُحَمَّدٌ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِنْ قَبْلِهِ الرُّسُلُ أَفَإِنْ مَاتَ أَوْ قُتِلَ انْقَلَبْتُمْ عَلَى أَعْقَابِكُمْ وَمَنْ يَنْقَلِبْ عَلَى عَقِبَيْهِ فَلَنْ يَضُرَّ اللَّهَ شَيْئًا وَسَيَجْزِي اللَّهُ الشَّاكِرِينَ﴾(13) فأيُّ رجلٍ أيَّاً كان وزنه وعملُه انقلب على عقبيه فلنْ يحظى بالجزاء الحسن وإنْ كان أوَّل أمره مستقيماً، فبقاء الرضا واستحقاق الجزاء منوط بالاستقامة والوفاء بالعهد والثبات على الصدق والطاعة إلى منتهى العمر، ولهذا لا يصحُّ القول بأنَّ هذا أو ذاك قد رضيَ الله عنه لمجرَّد أنَّه سبَق إلى الهجرة إذا كان قد هدم وختم أعماله الصالحة بالعصيان والطغيان والتمرُّد على الله ورسوله (ص).

ولهذا استفاضت الروايات عن الرسول الكريم (ص) من طرق الفريقين أنَّ الكثير من أصحاب النبيِّ (ص) سيُذادون ويمنعون عن الحوض يوم القيامة لأنَّهم أحدثوا وبدَّلوا بعد النبيِّ الكريم (ص) وارتدُّوا على أدبارهم ورجعوا القهقري:

فمن ذلك: ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن سعيد بن المسيب عن أبي هريرة أنَّه كان يُحدِّث أنَّ رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال: "يردُ عليَّ يوم القيامة رهطٌ من أصحابي فيجلَون عن الحوض فأقولُ: يا ربِّ أصحابي، فيقولُ: إنَّكَ لا علمَ لك بما أحدثوا بعدك، إنَّهم ارتدُّوا على أدبارهم القهقري"(14).

قوله (ص): "فيجلَون عن الحوض" يعني يُطردون، ويُصرفون عن الحوض، وفي بعض الروايات "يُحلئون" ومعناه يمْنَعُونَ ويُطردون يُقَال: حلأه عَن المَاء إِذا طرده وَمنعه مِنْهُ. ومعنى "الْقَهْقَرِي" هُوَ الرُّجُوع إِلَى الخلف، فمفاد قوله (ص): "ارتدُّوا على أدبارهم القهقري" هو أنَّهم رجعوا عمَّا كانوا عليه فأحدثوا وبدَّلوا. 

ومنها: ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن شهاب عن ابن المسيب أنَّه كان يُحدِّثُ عن أصحاب النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم أنَّ النبيَّ صلَّى الله عليه وآله وسلم قال: "يردُ عليَّ الحوضَ رجالٌ من أصحابي فيُحلؤون عنه فأقول: يا ربِّ أصحابي فيقول: إنَّك لا علمَ لكَ بما أحدثوا بعدك إنَّهم ارتدُّوا على أدبارهم القهقري"(15).

ومنها: ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عطاء بن يسار عن أبي هريرة عن النبيِّ صلى الله عليه وآله وسلم قال: بينا أنا قائمٌ فإذا زمرةٌ حتى إذا عرفتُهم خرج رجلٌ من بيني وبينهم فقال: هلمَّ، فقلتُ أين؟ قال: إلى النار والله، قلتُ: وما شأنُهم؟ قال: إنَّهم ارتدُّوا بعدك على أدبارهم القهقري، ثم إذا زمرةُ حتى إذا عرفتُهم خرج رجلٌ من بيني وبينهم فقال: هلمَّ، قلتُ: أين؟ قال: إلى النار والله، قلتُ: ما شأنُهم؟ قال: إنَّهم ارتدُّوا بعدك على أدبارهم القهقرى، فلا أراه يخلصُ منهم إلا مثلُ همَلِ النَّعْمِ"(16).

قوله (ص): "فإذا زمرةٌ حتى إذا عرفتُهم خرج رجلٌ من بيني وبينهم .." يعني أنَّهم يعرضون على النبيِّ(ص) جماعاتٍ جماعاتٍ، فإذا اقتربوا حِيل بينهم وبين النبيِّ (ص) وأُمِرَ بهم إلى النار، فلا يخلصُ ولا ينجو من أصحابه إلا مثل همَل النَّعْم كناية عن القلَّة، ف"همَل النعم" هي الإبل المهملة الضالَّة، فمعنى الرواية أنَّه لا ينجو من أصحابه سوى القليل الذي لا يتجاوز تعدادهم عدد الإبل الضالَّة والمهملة.

ومنها: ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن أنس رضي الله عنه عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلم قال: "ليردنَّ عليَّ ناسٌ من أصحابي الحوضَ حتى إذا عرفتُهم اختلجوا دوني فأقول: أصحابي فيقول: لا تدري ما أحدثوا بعدك"(17).

قوله (ص): "اختلجوا دوني" يعني -كما أفاد ابن حجر- "يُنزعون ويُجذبون منِّي، يقال: اختلجه منه: إذا نزعه منه أو جذبه بغير إرادته" ومعنى ذلك أنَّ الملائكة تنزعهم وتبعدُهم عن الرسول الكريم (ص) وعن حوضِه فيمنعون من ورود الحوض والشرب منه. فيقول الرسولُ الكريم (ص): أصحابي وقد عرفهم فيقال له: لا تدري ما أحدثوا بعدك.

ومنها: ما رواه البخاري في صحيحه عن سهل بن سعد قال: قال النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم: "إني فرَطكم على الحوض، من مرَّ عليَّ شربَ، ومن شرِبَ لم يظمأْ ابداً، ليردنَّ علىَّ أقوامٌ أعرفهم ويعرفوني ثم يُحال بيني وبينهم" قال أبو حازم فسمعني النعمان بن أبي عياش فقال هكذا سمعتَ من سهل فقلتُ: نعم فقال: اشهد على أبي سعيد الخدري لسمعتُه وهو يزيد فيها فأقول: إنَّهم منِّي، فيقال: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك فأقول: سُحقاً سُحقاً لمَن غيَّر بعدي"(18).

قوله (ص): "إنِّي فرَطكم على الحوض" يعني أمامكم أسبقُكم إلى الحوض، فالفرَط هو السابق للقوم، الذي يسبقهم حتى يهيّئ لهم المنزل والماء وما يحتاجونه، فيقول (ص) فيردُ عليه أقوام منه يعرفهم ويعرفونه فيُحال بينه وبينهم أي يمنعون من الاقتراب من النبيِّ الكريم (ص) ومن الورود لحوضه، فيُحرمون من الشرب منه. وحين يقال للنبيِّ (ص) "إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك" يقول (ص): "سُحقاً سُحقاً لمَن غيَّر بعدي" أي بُعداً بُعداً لمن غيَّر وبدَّل بعدي. يقال سحيف بمعنى بعيد وأسحقه أي أبعده.

ومنها: ما رواه البخاري في صحيحه عن ابن عباس رضي الله عنهما عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلم قال: "إنَّكم تُحشرون حفاةً عراة .. وإنَّ أناساً من أصحابي يُؤخذُ بهم ذاتَ الشمال، فأقولُ أصحابي أصحابي فيُقال: إنَّهم لم يزالوا مرتدِّين على أعقابهم منذُ فارقتَهم، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إلى قوله الحكيم"(19).

قوله (ص): "يؤخذُ بهم ذات الشمال" يعني جهة الجحيم كما فال تعالى: ﴿وَأَصْحَابُ الشِّمَالِ مَا أَصْحَابُ الشِّمَالِ / فِي سَمُومٍ وَحَمِيمٍ / وَظِلٍّ مِنْ يَحْمُومٍ / لَا بَارِدٍ وَلَا كَرِيمٍ/ إِنَّهُمْ كَانُوا قَبْلَ ذَلِكَ مُتْرَفِينَ / وَكَانُوا يُصِرُّونَ عَلَى الْحِنْثِ الْعَظِيمِ﴾(20) فيقول النبيُّ الكريم (ص) أصحابي أصحابي فيقال له: "إنَّهم لم يزالوا مرتدِّين على أعقابهم منذُ فارقتَهم" أي أنّهم نقضوا العهد ولم يستقيموا على الصراط القويم من حين فارقتهم. أي ظهر انحرافهم بعد رحيلك عنهم من الدنيا. 

ومنها: ما رواه البخاري في صحيحه بسنده عن المغيرة قال: سمعتُ أبا وائل عن عبد الله يعني ابن مسعود رضي الله عنه عن النبيِّ صلَّى الله عليه وآله وسلم قال: "أنا فرَطُكم على الحوضِ، وليُرفعنَّ رجالٌ منكم ثم ليُختلَجنَّ دوني، فأقول يا ربِّ أصحابي فيُقال: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك"(21).

قوله (ص): "وليُرفعنَّ رجالٌ منكم ثم ليُختلَجنَّ دوني" يعني سيُمنع رجالٌ منكم ويُحال بينهم وبين الوصول للحوض، "ثم لِيُخْتَلَجُنَّ": والاختلاج وهو الجذب بشدَّة والمنع بعنف، أي إنَّهم سيُجذبون ويُمنعون من الوصول للنبيِّ الكريم (ص) والورود للحوض منعًا شديداً. فيقول النبيُّ الكريم (ص): "يا ربِّ أصحابي فيُقال: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك".

ومنها: ما رواه البخاري في صحيحه بسنده سعيد بن جبير عن ابن عباس قال: قام فينا النبيُّ صلى الله عليه وآله وسلم يخطبُ فقال: "إنَّكم محشورون حفاةً عراة ﴿كَمَا بَدَأْنَا أَوَّلَ خَلْقٍ نُعِيدُهُ﴾ الآية وانَّ أوَّل الخلائق يُكسى يوم القيامة إبراهيم وأنَّه سيُجاء برجالٍ من أمتي فيُؤخذ بهم ذات الشمال، فأقول: يا رب أصيحابي فيقول الله: إنَّك لا تدري ما أحدثوا بعدك، فأقول كما قال العبد الصالح: ﴿وَكُنْتُ عَلَيْهِمْ شَهِيدًا مَا دُمْتُ فِيهِمْ﴾ إلى قوله الحكيم قال: فيُقال: إنَّهم لم يزالوا مرتدين على أعقابهم منذُ فارقتَهم"(22).

فهذه الروايات وغيرها كثير تدلُّ على أنَّ الصحبة والهجرة والنصرة لا تُجدي نفعاً ولا تُوجب النجاة ما لم يتعقَّبها استقامة وثبات على الهدى والطاعة لله ورسوله (ص) إلى منتهى العمر. وتدلُّ على أنَّ المدح بالهجرة والنصرة والإخبار عن الرضا مراعى بالثبات والاستقامة وعدم ارتكاب ما يُوجب السخط الإلهي، فلا يصح التمسُّك بالمدح وقطع النظر عن العاقبة، فالأمور بخواتيمها.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

26 / جمادى الآخر / 1447ه

18 / ديسمبر / 2025م


1- سورة التوبة / 100.

2- سورة البينة / 5.

3- سورة التوبة / 88-89.

4- صحيح البخاري -البخاري- ج7 / ص231، ج8 / ص59، سنن الترمذي -الترمذي- ج3 / ص100، السنن الكبرى -النسائي- ج1 / ص60، السنن الكبرى -البيهقي- ج1 / ص215، صحيح ابن حبان -ابن حبان- ج2 / ص113، سنن الدارقطني -الدارفطني- ج1 / ص47.

5- سورة النحل / 41.

6- التوبة / 20

7- سورة البقرة / 218.

8- سورة الحج / 58.

9- سورة الأنفال / 54.

10- سورة الأحقاف / 13-14.

11- سورة فصلت / 30.

12- سورة الأحزاب / 23-24.

13- سورة آل عمران / 114.

14- صحيح البخاري -البخاري- ج7 / ص208، إمتاع الأسماع -المقريزي- ج14 / ص223.

15- صحيح البخاري -البخاري- ج7 / ص208، التمهيد -ابن عبد البر- ج2 / ص298، ورواه الصنعاني في المصنف عن أبي هريرة ج11 / ص407

16- صحيح البخاري -البخاري- ج7 / ص208، عمدة القاري -العيني- ج23 / ص142.

17- صحيح البخاري -البخاري- ج7 / ص207، ورواه أحمد بن حنبل عن حديفة ج5 / ص393.

18- صحيح البخاري -البخاري- ج7 / ص208، عمدة القاري -العيني- ج14 / ص140 

19- صحيح البخاري -البخاري- ج4 / ص110، عمدة القاري -العيني- ج15 / ص241.

20- سورة الواقعة / 41-46.

21- صحيح البخاري -البخاري- ج7 / ص206، مسند أحمد -أحمد بن حنبل- ج1 / ص439.

22- صحيح البخاري -البخاري- ج7 / ص240، صحيح مسلم -مسلم النيسابوري-ج8 / ص175، سنن الترمذي -الترمذي- ج5 / ص4، مسند أحمد -أحمد بن حنبل- ج1 / ص253.