الأبرار في القرآن المجيد

والصلاه والسلام على أشرف الانبياء والمرسلين وخاتم النبيين حبيب اله العالمين أبي القاسم محمد وعلى آله الأخيار الأبرار الذين أذهب الله عنهم الرجس وطهَّرهم تطهيرا.

اللهمَّ أخرجنا من ظلمات الوهم وأكرمنا بنور الفهم، وافتح علينا أبواب رحمتك، وانشر علينا خزائن علومك.

قال الله تعالى في محكم كتابه المجيد بسم الله الرحمن الرحيم: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِنْ كَأْسٍ كَانَ مِزَاجُهَا كَافُورًا / عَيْنًا يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللَّهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيرًا﴾(1).

سنتحدث إنْ شاء الله تعالى في هذه الجلسة حول كلمة الأبرار الواردة في الآية من سورة الإنسان.

مواضع ذكر الأبرار في القرآن:

ذُكرت كلمة الأبرار في القرآن المجيد بصيغة الجمع خمس مرات، فمضافاً إلى الآية من سورة الإنسان التي صدَّرنا بها الجلسة وردت في سورة آل عمران عند قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾(2) ووردت في سورة الانفطار عند قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ / وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾(3) ووردت في موضعين من سورة المطفِّفين عند قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ / وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ﴾(4) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ / عَلَى الْأَرَائِكِ يَنْظُرُونَ / تَعْرِفُ فِي وُجُوهِهِمْ نَضْرَةَ النَّعِيمِ / يُسْقَوْنَ مِنْ رَحِيقٍ مَخْتُومٍ / خِتَامُهُ مِسْكٌ وَفِي ذَلِكَ فَلْيَتَنَافَسِ الْمُتَنَافِسُونَ﴾(5) ووردت كلمة الأبرار في موضعٍ سادس ولكن بصيغة جمعٍ أخرى وهي البرَرة في قوله تعالى من سورة عبس يصف الملائكة: ﴿بِأَيْدِي سَفَرَةٍ / كِرَامٍ بَرَرَةٍ﴾(6).

معنى كلمة البِرِّ:

ومفردُ الأبرار والبررة هو البارُّ، والبَرُّ -بفتح الباء- كما في قوله تعالى: ﴿وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا﴾(7) يقال رجل بَرٌ بوالديه، وبارٌّ بهما، والبَرَّ والبارَّ اسمُ فاعل، والمصدر البِرُّ بكسر الباء، والمراد من البِرِّ هو التوسُّع في فعل الخير، أو هو -كما قيل- اسمٌ جامع للخير كلِّه، فكلُّ خيرٍ فهو بِرٌّ، وفاعلُه بَرٌّ وبارٌّ.

وبناءً على أنَّ البِرِّ هو التوسُّعُ في فعل الخير يكون البَرُّ والبارُّ ليس هو فاعل الخير محضاً بل هو المتوسِّع في فعل الخير والإحسان. فالبارُّ بوالديه هو المتوسِّع في الإحسان إليهما، والبارُّ بأرحامه أو بالفقراء هو المتوسِّع في إسداء الخير والإحسان إليهم، ولعلَّ ما يُؤيد أنَّ البرِّ ليس هو فعل الخير محضاً وإنَّما هو التوسُّع في فعل الخير، هو ملاحظة أصل كلمة البِر، فقد قيل إنَّها مشتقةٌ من البَر المقابل للبحر، فالبرُّ هي الأرض المترامية في السَّعة.

استعمالات كلمة البرِّ:

وكيف كان فالبِرُّ وإنْ كان معناه مطلقَ الخير أو التوسُّع في فعل الخير إلا أنَّه كثيراً ما يُستعمل بمعنى الصلة والإحسان، فيُقال: زيدٌ يبَرُّ بأرحامه وبالفقراء أي يصلُهم ويُحسنُ إليهم، ومنه ما ورد عن الرسول الكريم (ص): "سيدُ الأبرار يوم القيامة رجلٌ برَّ والديه بعد موتهما"(8) فالأبرار في الرواية استعملت في معنى الإحسان والصلة بمثل الصدقة عنه والدعاء له.

ولعلَّ من ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّه هُوَ الْبَرُّ الرَّحِيم﴾(9) فالبَرُّ من أسماء الله الحسنى، ومعناه المُحسِنُ وقديمُ الإحسان، والواسع في إحسانه وتفضُّلِه.

وكذلك يُستعمل البِرُّ بمعنى الصدق والوفاء بالعهد والأيمان، يقال بَرَّ في يمينه أي صدق ووفى، ولم يحنث، ومن ذلك قوله تعالى: ﴿وَلَا تَجْعَلُوا اللَّهَ عُرْضَةً لِأَيْمَانِكُمْ أَنْ تَبَرُّوا وَتَتَّقُوا﴾(10).

الأبرار هم الصادقون في إيمانهم ومنطقهم:

ومن ذلك ظاهراً قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْأَبْرَارَ لَفِي نَعِيمٍ / وَإِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ﴾ فالمراد من الأبرار -بقرينة المقابلة للفجار- هم الصادقون الأوفياء، وكذلك هو الشأنُ في قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْأَبْرَارِ لَفِي عِلِّيِّينَ / وَمَا أَدْرَاكَ مَا عِلِّيُّونَ / كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾(11) فإنَّه جاء في مقابل قوله تعالى: ﴿كَلَّا إِنَّ كِتَابَ الْفُجَّارِ لَفِي سِجِّينٍ / وَمَا أَدْرَاكَ مَا سِجِّينٌ / كِتَابٌ مَرْقُومٌ﴾(12) فالمراد من الأبرار -بقرينة المقابلة للفجَّار- هم الصادقون في إيمانهم، فلا ينافقون ولا يراؤون ولا يستأكلون بإيمانهم، وهم الصادقون في منطقهم، فلا يكذبون والصادقون في معاملاتهم فلا يغشُّون ولا يحتالون ولا يغبنون ولا يمكرون، والصادقون في علاقاتهم فلا يخونون ولا يخادعون وفي مقابل الصادقين هم الفجَّار.

ولعلَّ من ذلك أيضاً قوله تعالى: ﴿رَبَّنَا إِنَّنَا سَمِعْنَا مُنَادِيًا يُنَادِي لِلْإِيمَانِ أَنْ آَمِنُوا بِرَبِّكُمْ فَآَمَنَّا رَبَّنَا فَاغْفِرْ لَنَا ذُنُوبَنَا وَكَفِّرْ عَنَّا سَيِّئَاتِنَا وَتَوَفَّنَا مَعَ الْأَبْرَارِ﴾ أي مع الصادقين في إيمانهم وفي معاملاتهم وعلاقاتهم، والصادقين في منطقهم، والصادقون كذلك هم الأوفياء بعهودهم، فالأبرار هم من وصفهم القرآن في قوله تعالى: ﴿مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا﴾(13) فالأبرار هم الذين صدقوا وثبتوا على الصدق.

ونختم برواية شريفة أوردها الكليني في الكافي عن الإمام أبي عبد الله الصادق (عليه السلام) يتبين منها أنَّ المراد من البرَّ هو مطلق الخير قال (ع): "نَحْنُ أَصْلُ كُلِّ خَيْرٍ ومِنْ فُرُوعِنَا كُلُّ بِرٍّ فَمِنَ الْبِرِّ التَّوْحِيدُ والصَّلَاةُ والصِّيَامُ وكَظْمُ الْغَيْظِ والْعَفْوُ عَنِ الْمُسِيءِ ورَحْمَةُ الْفَقِيرِ وتَعَهُّدُ الْجَارِ والإِقْرَارُ بِالْفَضْلِ لأَهْلِه وعَدُوُّنَا أَصْلُ كُلِّ شَرٍّ ومِنْ فُرُوعِهِمْ كُلُّ قَبِيحٍ وفَاحِشَةٍ فَمِنْهُمُ الْكَذِبُ والْبُخْلُ والنَّمِيمَةُ والْقَطِيعَةُ وأَكْلُ الرِّبَا وأَكْلُ مَالِ الْيَتِيمِ بِغَيْرِ حَقِّه وتَعَدِّي الْحُدُودِ الَّتِي أَمَرَ اللَّه ورُكُوبُ الْفَوَاحِشِ مَا ظَهَرَ مِنْهَا ومَا بَطَنَ والزِّنَا والسَّرِقَةُ وكُلُّ مَا وَافَقَ ذَلِكَ مِنَ الْقَبِيحِ فَكَذَبَ مَنْ زَعَمَ أَنَّه مَعَنَا وهُوَ مُتَعَلِّقٌ بِفُرُوعِ غَيْرِنَا"(14).

وللحديث بقية حول معنى البِرِّ والأبرار.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

2 / شهر رمضان / 1447ه

20 / فبراير / 2026م

 


1- سورة الإنسان / 5-6.

2- سورة آل عمران / 93.

3- سورة الانفطار / 13-14.

4- سورة المطففين / 18-20.

5- سورة المطففين / 22-26.

6- سورة عبس / 15-16.

7- سورة مريم / 32.

8- جامع أحاديث الشيعة -البروجردي- ج18 / ص345.

9- سورة الطور / 28.

10- سورة البقرة / 224.

11- سورة المطففين / 18-20.

12- سورة المطففين / 7-9.

13- سورة الأحزاب / 23.

14- الكافي -الكليني- ج8 / ص242.