معنى قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾

بسم الله الرحمن الرحيم

اللهمَّ صلِّ على محمد وآل محمد

المسألة:

ما هو مقصود الآية من سورة التكوير: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾(1)؟

الجواب:

الآيةُ المباركة من سورة التكوير واقعةٌ في سياق آياتٍ تتحدَّث عمَّا سيؤول إليه الخلق قُبيل قيام الساعة وبعد وقوعها، فبعضُ الآيات ذكرت شيئاً من أشراط الساعة كقوله تعالى: ﴿إِذَا الشَّمْسُ كُوِّرَتْ / وَإِذَا النُّجُومُ انْكَدَرَتْ / وَإِذَا الْجِبَالُ سُيِّرَتْ﴾(2) وبعضُ هذه الآيات ذكرت شيئاً ممَّا سيقع عند قيام الساعة كقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْمَوْءُودَةُ سُئِلَتْ / بِأَيِّ ذَنْبٍ قُتِلَتْ / وَإِذَا الصُّحُفُ نُشِرَتْ﴾(3). وقوله تعالى: ﴿وَإِذَا الْجَحِيمُ سُعِّرَتْ / وَإِذَا الْجَنَّةُ أُزْلِفَتْ﴾(4).

وأمَّا قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ فهي كذلك بصدد بيان ما ستنتهي إليه النفوس بعد قيام الساعة، والنفوس جمعُ نفسٍ، وتُطلق كثيراً في القرآن المجيد ويُراد بها الإنسان كما في قوله تعالى: ﴿مَنْ قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا﴾(5) وقوله تعالى: ﴿وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ﴾(6) وقوله تعالى: ﴿وَلَا تَقْتُلُوا النَّفْسَ الَّتِي حَرَّمَ اللَّهُ إِلَّا بِالْحَقِّ﴾(7) وقوله تعالى: ﴿لِيَجْزِيَ اللَّهُ كُلَّ نَفْسٍ مَا كَسَبَتْ إِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ﴾(8) وقوله تعالى: ﴿يَوْمَ تَأْتِي كُلُّ نَفْسٍ تُجَادِلُ عَنْ نَفْسِهَا وَتُوَفَّى كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ وَهُمْ لَا يُظْلَمُونَ﴾(9) وآيات أخرى كثيرة.

ومعنى: ﴿زُوِّجَتْ﴾ هو قُرنت بما تستحقُّه، فالصالحون يُقرنون بالصالحات من نساء الجنَّة كما أفاد ذلك قوله تعالى: ﴿إِنَّ الْمُتَّقِينَ فِي مَقَامٍ أَمِينٍ .. كَذَلِكَ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾(10) وقوله تعالى: ﴿مُتَّكِئِينَ عَلَى سُرُرٍ مَصْفُوفَةٍ وَزَوَّجْنَاهُمْ بِحُورٍ عِينٍ﴾(11) وقوله تعالى: ﴿لَهُمْ فِيهَا أَزْوَاجٌ مُطَهَّرَةٌ وَنُدْخِلُهُمْ ظِلًّا ظَلِيلًا﴾(12) وقوله تعالى: ﴿إِنَّ أَصْحَابَ الْجَنَّةِ الْيَوْمَ فِي شُغُلٍ فَاكِهُونَ / هُمْ وَأَزْوَاجُهُمْ فِي ظِلَالٍ عَلَى الْأَرَائِكِ مُتَّكِئُونَ﴾(13).

وأمَّا أصحاب النار فيُقرنون بالشياطين وبأمثالهم كما أفاد ذلك قوله تعالى: ﴿وَمَنْ يَعْشُ عَنْ ذِكْرِ الرَّحْمَنِ نُقَيِّضْ لَهُ شَيْطَانًا فَهُوَ لَهُ قَرِينٌ﴾(14) وقوله تعالى: ﴿احْشُرُوا الَّذِينَ ظَلَمُوا وَأَزْوَاجَهُمْ وَمَا كَانُوا يَعْبُدُونَ﴾(15).

ويُؤيِّد أن ذلك هو المراد من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ ما رُوي عن أبي جعفر الباقر(ع) في قوله: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ قال: أمَّا أهلُ الجنَّة فزوِّجوا الخيرات الحسان، وأمَّا أهلُ النار فمع كلِّ إنسانٍ منهم شيطانٌ يعني قُرنت نفوسُ الكافرين والمنافقين بالشياطين، فهم قرناؤهم"(16).

احتمالٌ آخر لمعنى الآية:

هذا قد ذكر بعضُ المفسِّرين أنَّ المراد من قوله تعالى: ﴿وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ﴾ هو أنَّ الأرواح تُردُّ يوم القيامة إلى الأجساد(17) فمعنى الآية بناءً على ذلك هو الإشارة إلى البعث والإحياء للناس بعد موتهم، وذلك بقرن أرواحهم بأجسادهم بعد أنْ فارقتها في الدنيا بالموت. وهذا المعنى وإن كان محتملاً ولكنَّه لا قرينة على أنَّه المراد من الآية الشريفة.

والحمد لله ربِّ العالمين

الشيخ محمد صنقور

28 / شهر رمضان / 1447ه

18 / مارس / 2026

 


1- سورة التكوير / 7.

2- سورة التكوير / 1-3.

3- سورة التكوير / 12-13.

4- سورة التكوير / 8-10.

5- سورة المائدة / 32.

6- سورة المائدة / 45.

7- سورة الأنعام / 151.

8- سورة إبراهيم / 51.

9- سورة النحل / 111.

10- سورة الدخان / 51-54.

11- سورة الطور / 20.

12-سورة النساء / 57.

13- سورة يس / 55-56.

14- سورة الزخرف / 36.

15- سورة الصافات / 22.

16- تفسير القمي -علي بن إبراهيم القمي- ج2 / ص407.

17- لاحظ: تفسير مجمع البيان -الطبرسي- ج10 / ص277.