الآية 34
قوله تعالى: ﴿وَلاَ يَنفَعُكُمْ نُصْحِي إِنْ أَرَدتُّ أَنْ أَنصَحَ لَكُمْ إِن كَانَ اللّهُ يُرِيدُ أَن يُغْوِيَكُمْ هُوَ رَبُّكُمْ وَإِلَيْهِ تُرْجَعُونَ﴾
هذه الآية عطف على قول نوح: إنما يأتيكم بالعذاب الله إن شاء ولستم تفوتونه، " ولا ينفعكم نصحي " ويحتمل قوله " يريد أن يغويكم " أمرين:
أحدهما: إن كان الله يريد أن يخيبكم من رحمته بأن يحرمكم ثوابه، ويعاقبكم لكفر كم به، ولا ينفعكم نصحي يقال: غوى يغوي غيا، ومنه قوله تعالى " فسوف يلقون غيا " (1) أي خيبة وعذابا وقال الشاعر:
فمن يلق خيرا يحمد الناس أمره * ومن يغو لا يعدم على الغي لائما (2)
فلما كان الله قد خيب قوم نوح من رحمته وثوابه وجنته أعلم نبيه نوحا بذلك في قوله " لن يؤمن من قومك إلا من قد آمن " (3) وأنهم سيصيرون إلى خيبة وعذاب، أخبرهم الله بذلك على لسان نبيه، فقال " ولا ينفعكم نصحي " مع إتيانكم ما يوجب خيبتكم والعذاب الذي جره عليكم قبيح أفعالكم، ويريد الله إهلاككم وعقوبتكم على ذلك. وحكي عن طي انها تقول: أصبح فلان غاويا أي مريضا. وحكي عن غيرهم سماعا منهم: أغويت فلانا أهلكته، وغوي الفصيل إذا فقد اللبن فمات: بكسر الواو في الماضي، وفتحها في المستقبل، ومنه قوله تعالى " وعصى آدم ربه فغوى " (4) اي خاب من الثواب الذي كان يحصل له بتركه.
والوجه الثاني: أن يكون جرى على عادة العرب في تسمية العقوبة باسم الشئ المعاقب عليه، فيكون المعنى إن كان الله يريد عقوبتكم على اغوائكم الخلق واضلالكم إياهم، فسمى عقوبته إياهم على اغوائهم اغواء كما قال " وجزاء سيئة سيئة " (5) " ومكروا ومكر الله " (6) و " الله يستهزئ بهم " (7) ونظائر ذلك كثيرة. ومثله قوله حكاية إبليس " بما أغويتني " (8) فإنه يحتمل هذين الوجهين، الأول يحتمل أن يكون فبما خيبتني، والثاني - فبما جازيتني على اغوائي الخلق عن الهدى. ولا يجوز أن يكون المراد بذلك أن يجعلهم كفارا على ما يذهب إليه المجبرة، لان الاغواء بمعنى الدعاء إلى الكفر أو فعل الكفر لا يجوز عليه تعالى، لقبحه كقبح الامر بالكفر. والنصح اخلاص العمل من الفساد على الاجتهاد فيه. والنصح نقيض الغش. وكان نصح نوح لقومه اعلامهم موضع الغي ليتقوه، وموضع الرشد ليتبعوه. وإنما شرط النصح بالإرادة - في قوله " ان أردت أن أنصح " مع وقوع هذا النصح - استظهارا في الحجة: لأنهم ذهبوا إلى أنه ليس بنصح، فقال: لو كان نصحا ما نفع من لا يقبله. وقوله " هو ربكم واليه ترجعون " اخبار من نوح أن الله الذي عذبكم وخيبكم من رحمته هو الذي خلقكم ويميتكم ثم يردكم بأن يحبيكم ليجازيكم على افعالكم ويعاقبكم على كفركم بنعمه حيث لا ينفعكم استدراك ما فات، ولا ينفعكم الندم على ما مضى. وقال الحسن: معنى الآية إن كان الله يريد أن يعذبكم وينزل بكم عذابه فأنتم عند ذلك لا ينفعكم نصحي، لان الله تعالى لا يقبل الايمان عند نزول العذاب. وقال بعض العلماء: ان قوم نوح كانوا يعتقدون أن ما هم عليه بإرادة الله لولا ذلك لغيره وأجبرهم على خلافه، فقال نوح على وجه الانكار عليهم والتعجب من قولهم: ان نصحي لا ينفعكم إن كان القول كما تقولون وتعتقدونه، حكى ذلك البخلي.
1- سورة 19 مريم آية 59.
2- مر تخريجه في 2 / 312.
3- سورة 11 هود آية 36.
4- سورة 20 طه آية 121.
5- سورة 42 الشورى آية 40.
6- سورة 3 آل عمران آية 54.
7- سورة 2 البقرة آية 15.
8- سورة 7 الأعراف آية 15 وسورة 15 الحجر آية 39.