الآيات 51-55

أَوَلَمْ يَكْفِهِمْ أَنَّا أَنزَلْنَا عَلَيْكَ الْكِتَابَ يُتْلَى عَلَيْهِمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَرَحْمَةً وَذِكْرَى لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ ﴿51﴾ قُلْ كَفَى بِاللَّهِ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ شَهِيدًا يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَالَّذِينَ آمَنُوا بِالْبَاطِلِ وَكَفَرُوا بِاللَّهِ أُوْلَئِكَ هُمُ الْخَاسِرُونَ ﴿52﴾ وَيَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَلَوْلَا أَجَلٌ مُّسَمًّى لَجَاءهُمُ الْعَذَابُ وَلَيَأْتِيَنَّهُم بَغْتَةً وَهُمْ لَا يَشْعُرُونَ ﴿53﴾ يَسْتَعْجِلُونَكَ بِالْعَذَابِ وَإِنَّ جَهَنَّمَ لَمُحِيطَةٌ بِالْكَافِرِينَ ﴿54﴾ يَوْمَ يَغْشَاهُمُ الْعَذَابُ مِن فَوْقِهِمْ وَمِن تَحْتِ أَرْجُلِهِمْ وَيَقُولُ ذُوقُوا مَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ ﴿55﴾

القراءة:

قرأ نافع وأهل الكوفة ﴿ويقول﴾ بالياء والآخرون بالنون.

الحجة:

قال أبو علي ويقول أي ويقول الموكل بعذابهم ذوقوا كقوله والملائكة باسطوا أيديهم أخرجوا أنفسكم تجزون عذاب الهون أي يقولون لهم ومن قرأ بالنون فلأن ذلك لما كان بأمره سبحانه جاز أن ينسب إليه والمعنى ذوقوا جزاء ما كنتم تعملون وإنما قيل ذوقوا لوصول ذلك إلى المعذبين واتصاله كوصول المذوق إلى الذائق قال (دونك ما جنيته فأحسن وذق).

الإعراب:

يتلى في موضع نصب على الحال من الكتاب أي متلو عليهم.

﴿يعلم ما في السماوات﴾ يجوز أن يكون صفة لقوله ﴿شهيدا﴾ ويجوز أن يكون حالا ويجوز أن يكون جملة مستأنفة لا محل لها من الإعراب.

﴿وليأتينهم﴾ اللام جواب قسم مقدر.

بغتة منصوب على الحال.

﴿يوم يغشيهم﴾ ظرف لقوله ﴿محيطة﴾.

المعنى:

لما تقدم طلبهم للآيات أجابهم سبحانه فقال ﴿أولم يكفهم إنا أنزلنا عليك﴾ يا محمد ﴿الكتاب﴾ أي القرآن ﴿يتلى عليهم﴾ بين سبحانه أن في إنزال القرآن دلالة واضحة ومعجزة لائحة وحجة بالغة تنزاح معه العلة وتقوم به الحجة فلا يحتاج في الوصول إلى العلم بصحة نبوته إلى غيره على أن إظهار المعجزات مع كونها إزاحة للعلة تراعى فيه المصلحة فإذا كانت المصلحة في إظهار نوع منها لم يجز إظهار غيرها ولو أظهر الله سبحانه الآيات التي اقترحوها ثم لم يؤمنوا لاقتضت الحكمة إهلاكهم بعذاب الاستئصال كما اقتضت ذلك في الأمم السالفة وقد وعد الله سبحانه أن لا يعذب هذه الأمة بعذاب الاستئصال وفي هذا دلالة على أن القرآن كاف في المعجز وأنه في أعلى درجات الإعجاز لأنه جعله كافيا عن جميع المعجزات والكفاية بلوغ حد ينافي الحاجة ﴿إن في ذلك﴾ معناه إن في القرآن ﴿لرحمة﴾ أي نعمة عظيمة الموقع لأن من تبعه وعمل به نال الثواب وفاز بالجنة ﴿وذكرى﴾ أي وتذكير أو موعظة ﴿لقوم يؤمنون﴾ أي يصدقون به وقيل أن قوما من المسلمين كتبوا شيئا من كتب أهل الكتاب فهددهم سبحانه في هذه الآية ونهاهم عنه وقال النبي (صلى الله عليه وآله وسلم) جئتكم بها بيضاء نقية ﴿قل﴾ يا محمد ﴿كفى بالله بيني وبينكم شهيدا﴾ لي بالصدق والإبلاغ وعليكم بالتكذيب والعناد وشهادة الله له قوله محمد رسول الله وهو في كلام معجز قد ثبت أنه من الله سبحانه وقيل إن شهادة الله له إثبات المعجزة له بإنزال الكتاب عليه ﴿يعلم ما في السموات والأرض﴾ فيعلم أني على الهدى وأنكم على الضلالة ﴿والذين آمنوا بالباطل﴾ أي صدقوا بغير الله عن ابن عباس وقيل بعبادة الشيطان عن مقاتل ﴿وكفروا بالله﴾ أي جحدوا وحدانية الله ﴿أولئك هم الخاسرون﴾ خسروا ثواب الله بارتكاب المعاصي والجحود بالله ﴿ويستعجلونك بالعذاب﴾ يا محمد أي يسألونك نزول العذاب عاجلا لجحودهم صحة ما توعدهم به كما قال النضر بن الحرث أمطر علينا حجارة من السماء ﴿ولولا أجل مسمى﴾ أي وقت قدره الله تعالى أن يعاقبهم فيه وهو يوم القيامة أو أجل قدره الله تعالى أن يبقيهم إليه لضرب من المصلحة ﴿لجاءهم العذاب﴾ الذي استحقوه ﴿وليأتينهم﴾ العذاب ﴿بغتة وهم لا يشعرون﴾ بإتيانه ووقت مجيئه ثم ذكر أن موعد عذابهم النار فقال ﴿يستعجلونك بالعذاب وإن جهنم لمحيطة بالكافرين﴾ يعني إن العذاب وإن لم يأتهم في الدنيا فإن جهنم محيطة بهم أي جامعة لهم وهم معذبون فيها لا محالة ﴿يوم يغشيهم العذاب من فوقهم ومن تحت أرجلهم﴾ يعني أن العذاب يحيط بهم لا أنه يصل إلى موضع منهم دون موضع فلا يبقى جزء منهم إلا وهو معذب في النار عن الحسن وهذا كقوله لهم من جهنم مهاد ومن فوقهم غواش ﴿ويقول ذوقوا ما كنتم تعملون﴾ أي جزاء أعمالكم وأفعالكم القبيحة.