الآيـة 257

اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ ﴿257﴾

اللغة:

الولي من الولي وهو القرب من غير فصل وهو الذي يكون أولى بالغير من غيره وأحق بتدبيره ومنه الوالي لأنه يلي القوم بالتدبير وبالأمر والنهي ومنه المولى من فوق لأنه يلي أمر العبد بسد الخلة وما به إليه الحاجة ومنه المولى من أسفل لأنه يلي أمر المالك بالطاعة ومنه المولى لابن العم لأنه يلي أمره بالنصرة لتلك القرابة ومنه ولي اليتيم لأنه يلي أمر ماله بالحفظ له والقيام عليه والولي في الدين وغيره لأنه يلي أمره بالنصرة والمعونة كما توجبه الحكمة والمعاقدة فجميع هذه المواضع الأولى والأحق ملحوظ فيها وولى عن الشيء إذا أدبر عنه لأنه زال عن أن يليه بوجهه واستولى على الشيء إذا احتوى عليه لأنه وليه بالقهر والله تعالى ولي المؤمنين على ثلاثة أوجه أحدها أنه يتولاهم بالمعونة على إقامة الحجة والبرهان لهم في هدايتهم كقوله ﴿والذين اهتدوا زادهم هدى﴾ وثانيها أنه وليهم في نصرهم على عدوهم وإظهار دينهم على دين مخالفيهم وثالثها أنه وليهم يتولاهم بالمثوبة على الطاعة والمجازاة على الأعمال الصالحة.

المعنى:

لما ذكر سبحانه المؤمن والكافر بين ولي كل واحد منهما فقال ﴿الله ولي الذين آمنوا﴾ أي نصيرهم ومعينهم في كل ما بهم إليه الحاجة وما فيه لهم الصلاح من أمور دينهم ودنياهم وآخرتهم ﴿يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾ أي من ظلمات الضلالة والكفر إلى نور الهدى والإيمان لأن الضلال والكفر في المنع من إدراك الحق كالظلمة في المنع من إدراك المبصرات ووجه إخراج الله تعالى المؤمنين من ظلمات الكفر والضلال إلى نور الإيمان والطاعة هو أنه هداهم إليه ونصب الأدلة لهم عليه ورغبهم فيه وفعل بهم من الألطاف ما يقوي به دواعيهم إلى فعله لأنا قد علمنا أنه لو لا هذه الأمور لم يخرجوا من الكفر إلى الإيمان فصح إضافة الإخراج إليه تعالى لكون هذه الأمور التي عددناها من جهة الله تعالى كما يصح من أحدنا إذا أشار إلى غيره بدخول بلد من البلدان ورغبة فيه وعرفه ما له فيه من الصلاح أن يقول أنا أدخلت فلانا البلد الفلاني وأنا أخرجته من كذا وكذا ﴿والذين كفروا أولياؤهم الطاغوت﴾ أي متولي أمورهم وأنصارهم الطاغوت والطاغوت هاهنا واحد أريد به الجميع وهذا جائز في اللغة إذا كان في الكلام دليل على الجماعة قال الشاعر :

بها جيف الحسرى فأما عظامها

فبيض وأما جلدها فصليب

فجلدها في معنى جلودها وقال العباس بن مرداس:

فقلنا أسلموا وأنا أخوكم

فقد فرئت من الإحن الصدور

والمراد به الشيطان عن ابن عباس وقيل رؤساء الضلالة عن مقاتل ﴿يخرجونهم من النور إلى الظلمات﴾ أي من نور الإيمان والطاعة والهدى إلى ظلمات الكفر والمعصية والضلالة وأضاف إخراجهم من النور إلى الظلمات إلى الطواغيت على ما تقدم ذكره من أنهم يغوونهم ويدعونهم إلى ذلك ويزينون فعله لهم فصح إضافته إليهم وهذا يدل على بطلان برهان قول من قال إن الإضافة الأولى تقتضي أن الإيمان من فعل الله تعالى بالمؤمن لأنه لو كان كذلك لاقتضت الإضافة الثانية أن الكفر من فعل الشيطان وعندهم لا فرق بين الأمرين في أنهما من فعله تعالى عن ذلك وأيضا فلو كان الأمر على ما ظنوا لما صار الله تعالى وليا للمؤمنين وناصرا لهم على ما اقتضته الآية والإيمان من فعله لا من فعلهم ولما كان خاذلا للكفار ومضيفا لولايتهم إلى الطاغوت والكفر من فعله فيهم ولم يفصل بين الكافر والمؤمن وهو المتولي لفعل الأمرين فيهما ومثل هذا لا يخفى على منصف فإن قيل كيف يخرجونهم من النور وهم لم يدخلوا فيه قلنا قد ذكر فيه وجهان (أحدهما) أن ذلك يجري مجرى قول القائل أخرجني والدي من ميراثه فمنعه من الدخول فيه إخراج ومثله قوله في قصة يوسف إني تركت ملة قوم لا يؤمنون بالله ولم يكن فيها قط وقوله ومنكم من يرد إلى أرذل العمر وقال الشاعر:

فإن تكن الأيام أحسن مرة

إلى فقد عادت لهن ذنوب ولم يكن لها ذنوب قبل ذلك والوجه الآخر أنه في قوم ارتدوا عن الإسلام عن مجاهد والأول أقوى وقوله ﴿أولئك أصحاب النار﴾ إلى آخره قد مضى تفسيره.