الآيات 49 ? 61

وَإِذْ نَجَّيْنَاكُم مِّنْ آلِ فِرْعَوْنَ يَسُومُونَكُمْ سُوَءَ الْعَذَابِ يُذَبِّحُونَ أَبْنَاءكُمْ وَيَسْتَحْيُونَ نِسَاءكُمْ وَفِي ذَلِكُم بَلاء مِّن رَّبِّكُمْ عَظِيمٌ ﴿49﴾ وَإِذْ فَرَقْنَا بِكُمُ الْبَحْرَ فَأَنجَيْنَاكُمْ وَأَغْرَقْنَا آلَ فِرْعَوْنَ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ﴿50﴾ وَإِذْ وَاعَدْنَا مُوسَى أَرْبَعِينَ لَيْلَةً ثُمَّ اتَّخَذْتُمُ الْعِجْلَ مِن بَعْدِهِ وَأَنتُمْ ظَالِمُونَ ﴿51﴾ ثُمَّ عَفَوْنَا عَنكُمِ مِّن بَعْدِ ذَلِكَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿52﴾ وَإِذْ آتَيْنَا مُوسَى الْكِتَابَ وَالْفُرْقَانَ لَعَلَّكُمْ تَهْتَدُونَ ﴿53﴾ وَإِذْ قَالَ مُوسَى لِقَوْمِهِ يَا قَوْمِ إِنَّكُمْ ظَلَمْتُمْ أَنفُسَكُمْ بِاتِّخَاذِكُمُ الْعِجْلَ فَتُوبُواْ إِلَى بَارِئِكُمْ فَاقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَّكُمْ عِندَ بَارِئِكُمْ فَتَابَ عَلَيْكُمْ إِنَّهُ هُوَ التَّوَّابُ الرَّحِيمُ ﴿54﴾ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نُّؤْمِنَ لَكَ حَتَّى نَرَى اللَّهَ جَهْرَةً فَأَخَذَتْكُمُ الصَّاعِقَةُ وَأَنتُمْ تَنظُرُونَ ﴿55﴾ ثُمَّ بَعَثْنَاكُم مِّن بَعْدِ مَوْتِكُمْ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴿56﴾ وَظَلَّلْنَا عَلَيْكُمُ الْغَمَامَ وَأَنزَلْنَا عَلَيْكُمُ الْمَنَّ وَالسَّلْوَى كُلُواْ مِن طَيِّبَاتِ مَا رَزَقْنَاكُمْ وَمَا ظَلَمُونَا وَلَكِن كَانُواْ أَنفُسَهُمْ يَظْلِمُونَ ﴿57﴾ وَإِذْ قُلْنَا ادْخُلُواْ هَذِهِ الْقَرْيَةَ فَكُلُواْ مِنْهَا حَيْثُ شِئْتُمْ رَغَداً وَادْخُلُواْ الْبَابَ سُجَّداً وَقُولُواْ حِطَّةٌ نَّغْفِرْ لَكُمْ خَطَايَاكُمْ وَسَنَزِيدُ الْمُحْسِنِينَ ﴿58﴾ فَبَدَّلَ الَّذِينَ ظَلَمُواْ قَوْلاً غَيْرَ الَّذِي قِيلَ لَهُمْ فَأَنزَلْنَا عَلَى الَّذِينَ ظَلَمُواْ رِجْزاً مِّنَ السَّمَاء بِمَا كَانُواْ يَفْسُقُونَ ﴿59﴾ وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِب بِّعَصَاكَ الْحَجَرَ فَانفَجَرَتْ مِنْهُ اثْنَتَا عَشْرَةَ عَيْناً قَدْ عَلِمَ كُلُّ أُنَاسٍ مَّشْرَبَهُمْ كُلُواْ وَاشْرَبُواْ مِن رِّزْقِ اللَّهِ وَلاَ تَعْثَوْاْ فِي الأَرْضِ مُفْسِدِينَ ﴿60﴾ وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَن نَّصْبِرَ عَلَىَ طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنبِتُ الأَرْضُ مِن بَقْلِهَا وَقِثَّآئِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا قَالَ أَتَسْتَبْدِلُونَ الَّذِي هُوَ أَدْنَى بِالَّذِي هُوَ خَيْرٌ اهْبِطُواْ مِصْراً فَإِنَّ لَكُم مَّا سَأَلْتُمْ وَضُرِبَتْ عَلَيْهِمُ الذِّلَّةُ وَالْمَسْكَنَةُ وَبَآؤُوْاْ بِغَضَبٍ مِّنَ اللَّهِ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ كَانُواْ يَكْفُرُونَ بِآيَاتِ اللَّهِ وَيَقْتُلُونَ النَّبِيِّينَ بِغَيْرِ الْحَقِّ ذَلِكَ بِمَا عَصَواْ وَّكَانُواْ يَعْتَدُونَ ﴿61﴾

بيان:

قوله تعالى: ﴿ويستحيون نساءكم﴾ أي يتركونهن أحياء للخدمة من غير أن يقتلوهن كالأبناء فالاستحياء طلب الحياة ويمكن أن يكون المعنى ويفعلون ما يوجب زوال حيائهن من المنكرات، ومعنى يسومونكم يولونكم.

قوله تعالى: ﴿وإذ فرقنا بكم﴾ الفرق مقابل الجمع كالفصل والوصل، والفرق في البحر الشق والباء للسببية أو الملابسة أي فرقنا لإنجائكم البحر أو لملابستكم دخول البحر.

قوله تعالى: ﴿وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة﴾ وقص تعالى القصة في سورة الأعراف بقوله: ﴿وواعدنا موسى ثلاثين ليلة وأتممناها بعشر فتم ميقات ربه أربعين ليلة﴾ الأعراف: 142، فعد المواعدة فيها أربعين ليلة إما للتغليب أو لأنه كانت العشرة الأخيرة بمواعدة أخرى فالأربعون مجموع المواعدتين كما وردت به الرواية.

قوله تعالى: ﴿فتوبوا إلى بارئكم البارىء من الأسماء الحسنى﴾ كما قال تعالى: ﴿هو الله الخالق البارىء المصور له الأسماء الحسنى﴾ الحشر: 24، وقع في ثلاث مواضع من كلامه تعالى: اثنان منها في هذه الآية ولعله خص بالذكر هاهنا من بين الأسماء الملائمة معناه للمورد لأنه قريب المعنى من الخالق والموجد، من برأ يبرأ براء إذا فصل لأنه يفصل الخلق من العدم أو الإنسان من الأرض، فكأنه تعالى يقول: هذه التوبة وقتلكم أنفسكم وإن كان أشق ما يكون من الأوامر لكن الله الذي أمركم بهذا الفناء والزوال بالقتل هو الذي برأكم فالذي أحب وجودكم وهو خير لكم هو يحب الآن حلول القتل عليكم فهو خير لكم وكيف لا يحب خيركم وقد برأكم، فاختيار لفظ البارىء بإضافته إليهم في قوله: إلى بارئكم، وقوله عند بارئكم للإشعار بالاختصاص لإثارة المحبة.

قوله تعالى: ﴿ذلكم خير لكم عند بارئكم﴾ ظاهر الآية وما تقدمها أن هذه الخطابات وما وقع فيها من عد أنواع تعدياتهم ومعاصيهم إنما نسبت إلى الكل مع كونها صادرة عن البعض لكونهم جامعة ذات قومية واحدة يرضى بعضهم بفعل بعض، وينسب فعل بعضهم إلى آخرين.

لمكان الوحدة الموجودة فيهم، فما كل بني إسرائيل عبدوا العجل، ولا كلهم قتلوا الأنبياء إلى غير ذلك من معاصيهم وعلى هذا فقوله تعالى: ﴿فاقتلوا أنفسكم﴾ إنما يعني به قتل البعض وهم الذين عبدوا العجل كما يدل عليه أيضا قوله تعالى: ﴿إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل﴾ وقوله تعالى ﴿ذلكم خير لكم عند بارئكم﴾ تتمة الحكاية من قول موسى كما هو الظاهر، وقوله تعالى: ﴿فتاب عليكم﴾ يدل على نزول التوبة وقبولها، وقد وردت الرواية أن التوبة نزلت ولما يقتل جميع المجرمين منهم.

ومن هنا يظهر أن الأمر كان أمرا امتحانيا نظير ما وقع في قصة رؤيا إبراهيم (عليه السلام) وذبح إسماعيل ﴿يا إبراهيم قد صدقت الرؤيا﴾ الصافات: 105، فقد ذكر موسى (عليه السلام) فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم ذلكم خير لكم عند بارئكم، وأمضى الله سبحانه قوله (عليه السلام) وجعل قتل البعض قتلا للكل وأنزل التوبة بقوله: فتاب عليكم.

قوله تعالى: ﴿رجزا من السماء﴾ الرجز العذاب.

قوله تعالى: ﴿ولا تعثوا العيث والعثي أشد الفساد﴾.

قوله تعالى: ﴿وقثائها وفومها﴾ القثاء الخيار والفوم الثوم أو الحنطة.

قوله تعالى: ﴿وباءوا بغضب﴾ أي رجعوا.

قوله تعالى: ﴿ذلك بأنهم كانوا يكفرون﴾ تعليل لما تقدمه.

قوله تعالى: ﴿ذلك بما عصوا﴾ تعليل للتعليل فعصيانهم ومداومتهم للاعتداء هو الموجب لكفرهم بالآيات وقتلهم الأنبياء كما قال تعالى: ﴿ثم كان عاقبة الذين أساءوا السوأى أن كذبوا بآيات الله وكانوا بها يستهزءون﴾ الروم: 10، وفي التعليل بالمعصية وجه سيأتي في البحث الآتي.

بحث روائي:

في تفسير العياشي، في قوله تعالى: ﴿وإذ واعدنا موسى أربعين ليلة﴾ عن أبي جعفر (عليه السلام) قال: كان في العلم والتقدير ثلاثين ليلة ثم بدا منه فزاد عشرا فتم ميقات ربه الأول والآخر أربعين ليلة.

أقول: والرواية تؤيد ما مر أن الأربعين مجموع المواعدتين.

وفي الدر المنثور، عن علي (عليه السلام): في قوله تعالى: وإذ قال موسى لقومه يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم الآية، قال: قالوا لموسى: ما توبتنا؟ قال: يقتل بعضكم بعضا فأخذوا السكاكين فجعل الرجل يقتل أخاه وأباه وابنه والله لا يبالي من قتل حتى قتل منهم سبعون ألفا فأوحى الله إلى موسى مرهم فليرفعوا أيديهم وقد غفر لمن قتل وتيب على من بقي.

وفي تفسير القمي، قال (عليه السلام): إن موسى لما خرج إلى الميقات ورجع إلى قومه وقد عبدوا العجل قال لهم موسى: يا قوم إنكم ظلمتم أنفسكم باتخاذكم العجل - فتوبوا إلى بارئكم فاقتلوا أنفسكم - ذلكم خير لكم عند بارئكم فقالوا له: كيف نقتل أنفسنا فقال لهم موسى: اغدوا كل واحد منكم إلى بيت المقدس ومعه سكين أو حديدة أو سيف فإذا صعدت أنا منبر بني إسرائيل فكونوا أنتم ملتثمين لا يعرف أحد صاحبه فاقتلوا بعضكم بعضا فاجتمعوا سبعين ألف رجل ممن كان عبدوا العجل إلى بيت المقدس فلما صلى بهم موسى وصعد المنبر أقبل بعضهم يقتل بعضا حتى نزل جبرائيل فقال: قل لهم: يا موسى ارفعوا القتل فقد تاب الله لكم، فقتل منهم عشرة آلاف وأنزل الله: ﴿ذلكم خير لكم عند بارئكم - فتاب عليكم إنه هو التواب الرحيم﴾.

أقول: والرواية كما ترى تدل على كون قوله تعالى: ذلكم خير لكم عند بارئكم مقولا لموسى ومقولا له سبحانه فيكون إمضاء لكلمة قالها موسى وكشفا عن كونها تامة على خلاف ما يلوح من الظاهر من كونها ناقصة فإن الظاهر يعطي أن موسى جعل قتل الجميع خيرا لهم عند بارئهم، وقد قتل منهم البعض دون الجميع فجعل سبحانه ما وقع من القتل هو الخير الذي ذكره موسى (عليه السلام) كما مر.

وفي تفسير القمي، أيضا: في قوله تعالى: ﴿وظللنا عليكم الغمام﴾ الآية أن بني إسرائيل لما عبر موسى بهم البحر نزلوا في مفازة فقالوا: يا موسى أهلكتنا وقتلتنا وأخرجتنا من العمران إلى مفازة لا ظل، ولا شجر، ولا ماء.

وكانت تجيء بالنهار غمامة تظلهم من الشمس وينزل عليهم بالليل المن فيقع على النبات والشجر والحجر فيأكلونه وبالعشي يأتيهم طائر مشوي يقع على موائدهم فإذا أكلوا وشربوا طار ومر وكان مع موسى حجر يضعه وسط العسكر ثم يضربه بعصاه فتنفجر منها اثنتا عشرة عينا كما حكى الله فيذهب إلى كل سبط في رحله وكانوا اثني عشر سبطا.

وفي الكافي، في قوله تعالى: ﴿وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾ عن أبي الحسن الماضي (عليه السلام) قال: إن الله أعز وأمنع من أن يظلم أو ينسب نفسه إلى الظلم ولكنه خلطنا بنفسه فجعل ظلمنا ظلمه وولايتنا ولايته، ثم أنزل الله بذلك قرآنا على نبيه فقال: وما ظلمونا ولكن كانوا أنفسهم يظلمون.قال الراوي: قلت: هذا تنزيل، قال: نعم.

أقول: وروي ما يقرب منه أيضا عن الباقر (عليه السلام) وقوله (عليه السلام): أمنع من أن يظلم بالبناء للمفعول تفسير لقوله تعالى: وما ظلمونا، وقوله: أو ينسب نفسه إلى الظلم بالبناء للفاعل، وقوله: ولكنه خلطنا بنفسه أي خلطنا معاشر الأنبياء والأوصياء والأئمة بنفسه، وقوله: قلت: هذا تنزيل قال: نعم وجهه أن النفي في هذه الموارد وأمثالها إنما يصح فيما يصح فيه الإثبات أو يتوهم صحته، فلا يقال للجدار، أنه لا يبصر أو لا يظلم إلا لنكتة وهو سبحانه أجل من أن يسلم في كلامه توهم الظلم عليه، أو جاز وقوعه عليه فالنكتة في هذا النفي الخلط المذكور لأن العظماء يتكلمون عن خدمهم وأعوانهم.

وفي تفسير العياشي، في قوله تعالى: ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله الآية عن الصادق (عليه السلام) أنه قرأ هذه الآية: ذلك بأنهم كانوا يكفرون بآيات الله - ويقتلون النبيين بغير الحق ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون فقال: والله ما ضربوهم بأيديهم ولا قتلوهم بأسيافهم ولكن سمعوا أحاديثهم فأذاعوها فأخذوا عليها فقتلوا فكان قتلا واعتداء ومصيبة.

أقول: وفي الكافي، عنه (عليه السلام) مثله وكأنه (عليه السلام) استفاد ذلك من قوله تعالى: ذلك بما عصوا وكانوا يعتدون فإن القتل وخاصة قتل الأنبياء والكفر بآيات الله لا يعلل بالعصيان بل الأمر بالعكس على ما يوجبه الشدة والأهمية لكن العصيان بمعنى عدم الكتمان والتحفظ مما يصح التعليل المذكور به.