الآيات 5 - 11

﴿إِنَّ الاَْبْرَارَ يَشْرَبُونَ مِن كَأْس كَانَ مِزَاجُهَا كَافُوراً (5) عَيْناً يَشْرَبُ بِهَا عِبَادُ اللهِ يُفَجِّرُونَهَا تَفْجِيراً (6) يُوفُونَ بِالنَّذْرِ وَيَخَافُونَ يَوْماً كَانَ شَرُّهُ مُسْتَطِيراً (7) وَيُطْعِمُونَ الطَّعَامَ عَلَى حُبِّهِ مِسْكِيناً وَيَتِيماً وَأَسِيراً (8) إِنَّمَا نُطْعِمُكُمْ لِوَجْهِ اللهِ لاَ نُرِيدُ مِنكُمْ جَزَآءً وَلاَ شُكُوراً (9) إِنَّا نَخَافُ مِن رَّبِّنَا يَوْماً عَبُوساً قَمْطَرِيراً (10) فَوَقَـهُمُ اللهُ شَرَّ ذَلِكَ الْيَوْمِ وَلَقَّـهُمْ نَضْرَةً وَسُرُوراً (11)﴾

سبب النزول:

البرهان العظيم على فضيلة أهل بيت النّبي:

قال ابن عباس: إنَّ الحسن والحسين مرضا فعادهما الرسول (ص) في ناس معه، فقالوا: يا أبا الحسن لو نذرت على ولديك، فنذر علي وفاطمة وفضة جارية لهما إنْ برئا مّما بهما أن يصوموا ثلاثة أيّام (طبقاً لبعض الرّوايات أنَّ الحسن والحسين أيضاً قالا نحن كذلك ننذر أن نصوم) فشفيا وما كان معهم شيء، فاستقرض علي (ع) ثلاث أصواع من شعير فطحنت فاطمة صاعاً واختبزته، فوضعوا الأرغفة بين أيديهم ليفطروا فوقف عليهم سائل، وقال: السلام عليكم، أهل بيت محمّد، مسكين من مساكين المسلمين، أطعموني أطعمكم الله من موائد الجنّة، فآثزوه وباتوا لم يذوقوا إلاّ الماء وأصبحوا صياماً.

فلما أمسوا ووضعوا الصعام بين أيديهم وقف عليهم يتيم فآثروه (وباتوا مرة أُخرى لم يذوقوا إلاّ الماء وأصبحوا صياماً) ووقف عليهم أسير في الثّالثة عند الغروب، ففعلوا مثل ذلك.

فلما أصبحوا أخذ علي بيد الحسن والحسين وأقبلوا إلى رسول الله (ص)، فلما أبصرهم وهم يرتعشون كالفراخ من شدّة الجوع، قال: "ما أشدّ ما يسوؤني ما أرى بكم" فانطلق معهم، فرأى فاطمة في محرابها قد التصق بطنها بظهرها، وغارت عنياها، فساءه ذلك، فنزل جبرئيل (ع) وقال: خذها يا محمد هنّأك الله في أهل بيتك فأقرأه السورة.

وقيل: إنّ الذي نزل من الآيات يبدأ من: (إنّ الأبرار) حتى (كان سعيكم مشكوراً) ومجموعها (18) آية.

ما أوردنا هو نص الحديث الذي جاء في كتاب "الغدير" بشيء من الاختصار كقدر مشترك وهذا الحديث من بين أحاديث كثيرة نقلت في هذا الباب، وذكر في الغدير أنّ الرّواية المذكورة قد نقلت عن طريق (34) عالماً من علماء أهل السنّة المشهورين (مع ذكر اسم الكتاب والصفحة).

وعلى هذا، فإنّ الرّواية مشهورة، بل متواترة عند أهل السنة (1).

واتفق علماء الشيعة على أنّ السورة أو ثمان عشرة آية من السورة قد نزلت في حق علي وفاطمة (عليهما السلام)، وأوردوا هذه الرّواية في كتبهم العديدة واعتبروها من مفاخر الرّوايات الحاكية عن فضائل أمير المؤمنين وفاطمة والحسن والحسين (عليهم السلام)، واشتهارها كان مدعاة لذكرها في الأشعار حتى أنّها وردت في شعر (الإمام الشافعي) وتثار عند المتعصبين هنا حساسيات شديدة بمجرّد سماعهم رواية تذكر فضائل أمير المومنين (ع) فيعمدون إلى اثارة العديد من الاشكالات بهذا الشأن، ومنها:

1 - إدعاؤهم مكّية السورة، والحال أنّ القصّة حدثت بعد ولادة الإمامين الحسن والحسين (عليهما السلام)، وما كانت ولادتهما إلاّ بالمدينة! وفي أيدينا دلائل واضحة كما بينّا في شرح صدر السورة، إذ أنّ السورة تشير إلى أنّها مدنّية، وإن لم تكن بتمامها فإنّ (18) آية منها مدنيّة.

2 - قولهم: إنّ لفظ الآية عام، فكيف يمكن تخصيص ذلك بأفراد معيّنين، ولكن عمومية مفهوم الآية لا ينافي نزولها في أمر خاص، وهناك عمومية في كثير من آيات القرآن، والحال أنّ سبب نزولها الذي يكون مصداقاً تامّاً لها في أمر خاص، والعجب لمن يتخذ من عمومية مفهوم آية ما دليلاً على نفي سبب النزول لها.

3 - نقل بعضهم أسباباً أُخرى لنزول هذه السورة لا تتفق مع السبب الذي ذكرناه في نزول الآية، منها ما نقله السيوطي في الدرّ المنثور قال: إنّ رجلاً أسود كان يسأل النّبي عن التسبيح والتهليل، فقال له عمر بن الخطاب: مه أكثرت على رسول الله، فقال النّبي (ص): "مه يا عمر" وأنزلت على رسول الله هل أتى (2).

وفي الدرّ المنثور عن ابن عمر قال: جاء رجل من الحبشة إلى رسول الله فقال له رسول الله: "سل واستفهم"، فقال: يا رسول الله فُضِّلتم علينا بالألوان والصور والنبوة، أفرأيت إن آمنت بما آمنت به وعملت بمثل ما عملت به إنّي لكائن معك في الجنّة؟ قال: "نعم، والذي نفسي بيده، إنّه ليرى بياض الأسود في الجنّة من مسيرة ألف عام" ثمّ بيّن ما يترتب من الثواب لمن يقول لا إله إلا الله وسبحان الله وبحمده، ونزلت عليه السورة (هل أتى) (3).

إنّ ما ذكر في هذه الرّوايات لا يتناسب مع مضمون آيات السورة، والمتوقع هو وضع هذه الرّواية من قبل عمال بني اُميّة وتزويرها لدحض ما تقدم وما قيل في سبب النزول في حق علي (ع).

4 - الإحتجاج الآخر الذي يمكن ذكره هنا: كيف يمكن لإنسان أن يصوم ثلاثة أيّام ولا يفطر إلاّ بالماء؟!

إنَّ هذا الإشكال مدعاة للعجب، لأنّنا نرى تطبيق ذلك عند بعض الناس، إذ أنّ بعض المعالجات الطبية تستدعي الإمساك لمدة (40) يوماً، ولا يتناول خلال الأربعين يوماً إلاّ الماء، ممّا أدّى ذلك إلى شفاء الكثير من الأمراض بهذه الطريقة، حتى أنَّ طبيباً من الأطباء غير المسلمين يدّعى (ألكسي سوفورين) كتب كتاباً في باب الآثار المهمّة في الشفاء من جراء الإمساك مع ذكر أُسلوب دقيق لذلك (4) حتى أنّ بعض زملاؤنا المشتركين معنا في تأليف كتاب التفسير الأمثل قضى إمساكاً لمدّة (22) يوماً.

5 - البعض الآخر أراد الإستهانة بهذه الفضيلة فجاء من طريق آخر كالآلوسي إذ يقول: إن قلنا إنّ هذه السورة لم ترِد في حق علي وفاطمة لم ينزل من قدرهم وشأنهم شيء، لأنّ اتصافهم بالأبرار أمرٌ واضح للجميع، ثمّ يبدأ بتبيان بعض فضائلهم فيقول: ماذا يمكن أن يقوله الإنسان في حقّ هذين العظيمين غير أنّ علياً (ع) أمير المؤمنين ووصي رسول الله، وأنّ فاطمة بضعة رسول الله، وأنّها جزء من الوجود المحمدي، وأنّ الحسنين روحه وريحانتاه وسيدا شباب أهل الجنّة، ولكن لا يعني ذلك ترك الآخرين، ومن يتبع غير هذا فهو ضال.

ولكنّنا نقول إنّنا إذا ما تغاضينا عن هذه الفضيلة، فإنّ عاقبة بقية الأحاديث ستكون بنفس المنوال، وربّما يحين يوم ينكر فيه البعض جميع فضائل أمير المؤمنين وسيّدة النساء والحسنين (عليهم السلام)، والملاحظ أنّ أمير المؤمنين (ع) قد احتج على مخالفيه في كثير من المواطن بهذه الآيات لتبيان حقوقه وفضائله وأهل بيته (5).

ثمّ إنّ ذكر الأسير الذي أطعموه، خير دليل على نزول الآيات بالمدينة، إذ لم يكن للمسلمين أسير بمكّة لعدم شروع الغزوات.

والملاحظة الأخيرة التي لابدّ من ذكرها هنا هو قول بعض العلماء المفسّرين ومنهم المفسّر المشهور الآلوسي، وهو من أهل السنّة قال: إنّ كثيراً من النعم الحسية قد ذكرت في السورة إلاّ الحور العين التي غالباً ما يذكرها القرآن في نعم الجنان، وهذا إنّما هو لنزول السورة بحق فاطمة وبعلها وبنيها (عليهم السلام) وإنّ الله لم يأت بذكر الحور العين إجلالاً واحتراماً لسيدة نساء العالمين!

لقد طال الحديث في هذا الباب إلاّ أنّنا وجدنا أنفسنا مضطرين لمجابهة وإبطال إشكالات المتعصبين وذرائع المعاندين.

التفسير:

جزاء الأبرار العظيم

أشارت الآيات السابقة الى العقوبات التي تنتظر الكافرين بعد تقسيمهم إلى جماعتين وهي "الشكور" و"الكفور"، والآيات في هذا المقطع تتحدث المكافآت التي أنعم الله بها على الأبرار وتذكّر بأُمور ظريفة في هذا الباب، فيقول تعالى: (إنّ الأبرار يشربون من كأس كان مزاجها كافوراً).

"الأبرار": جمع (بر) وأصله الإتّساع، وأُطلق البر على الصحراء لاتساع مساحتها، وتطلق هذه المفردة على الصالحين الذين تكون نتائج أعمالهم واسعة في المجتمع، و"البِر" بكسر الباء هو الإحسان، وقال بعض: إنّ الفرق بين البر والخير هو أنّ البر يراد به الإحسان مع التوجه والإرادة، وأمّا الخير فإنّ له معنى أعمّ.

"كافور": له معان متعددة في اللّغة، وأحد معانيها المعروفة الرائحة الطيبة كالنبتة الطيبة الرائحة، وله معنىً آخر مشهور هو الكافور الطبيعي ذو الرائحة القوية ويستعمل في الموارد الطبية كالتعقيم.

على كل حال فإنّ الآية تشير إلى أنّ هذا الشراب الطهور معطّر جدّاً فيلتذ به الانسان من حيث الذوق والشم.

وذهب بعض المفسّرين الى أنّ "كافور" اسم لأحد عيون الجنّة.

ولكن هذا التّفسير لا ينسجم مع عبارة "كان مزاجها كافوراً".

ومن جهة أُخرى يلاحظ أنّ "الكافور" من مادة "كفر" أي بمعنى "التغطية"، ويعتقد بعض أرباب اللغة كالراغب في المفردات أنّ اختيار هذا الاسم هو أنّ فاكهة الشجرة التي يؤخذ منها الكافور مغطاة بالقشور والأغلفة.

وقيل: هو إشارة إلى شدّة بياضه وبرودته حيث يضرب به المثل، والوجه الأوّل أنسب الوجوه، لأنّه يعد مع المسك والعنبر في مرتبة واحدة، وهما من أفضل العطور.

ثمّ يشير إلى العين التي يملؤون منها كؤوسهم من الشراب الطهور فيقول: (عيناً يشرب بها عباد الله يفجرونها تفجيراً) (6) (7).

هذه العين من الشراب الطهور وضعها الله تعالى تحت تصرفهم، فهي تجري أينما شاءوا، والظريف هو ما نقل عن الإمام الباقر (ع) إذ قال في وصفها: "هي عين في دار النّبي تفجر إلى دور الأنبياء والمؤمنين".

نعم فكما تتفجر عيون العلم والرحمة من بيت النّبي (ص) وتجري الى قلوب عباد الله الصالحين، كذلك في الآخرة حيث التجسّم العظيم لهذا المعنى تتفجر عين الشراب الطهور الإلهي من بيت الوحي، وتنحدر فروعها، إلى بيوت المؤمنين!

"يفجرون": من مادة تفجير، وأخذت من أصل (الفجر) ويعني الشق الواسع، سواء أكان شق الأرض أو غير ذلك، و"الفجر" نور الصبح الذي يشق ستار الليل، وأُطلق على من يشق ستار الحياء والطهارة ويتعدى حدود الله (فاجر) ويراد به هنا شقّ الإرض.

والملاحظ أنّ أوّل ما ذكر من نعم الجنان في هذه السورة هو الشراب الطهور المعطّر الخاصّ.

لكونه يزيل كلّ الهموم والحسرات والقلق والأردان عند تناوله بعد الفراغ من حساب المحشر، وهو أوّل ما يقدم لأهل الجنان ثمّ ينتهون إلى السرور المطلق بالإستفادة من سائر مواهب الجنان.

ثمّ تتناول الآيات الأُخرى ذكر أعمال "الأبرار" "وعباد الله" مع ذكر خمسة صفات توضّح سبب استحقاقهم لكل هذه النعم الفريدة: فيقول تعالى (يوفون بالنذر ويخافون يوماً كان شرّه مستطيراً).

جملة (يوفون) و (يخافون) والجمل التي تليها جاءت بصيغة الفعل المضارع وهذا يشير إلى استمرارية وديمومة منهجهم، كما قلنا في سبب النزول فإنّ المصداق الأتم والأكمل لهذه الآيات هو أمير المؤمنين وفاطمة الزهراء والحسنان (عليهم السلام)، لأنّهم وفوا بما نذروه من الصوم ثلاثة أيّام ولم يتناولوا في افطارهم إلاّ الماء في حين أنّ قلوبهم مشحونة بالخوف من الله والقيامة.

"مستطيراً": يراد به الإتساع والإنتشار، وهو إشارة إلى أنواع العذاب واتساعه في ذلك اليوم العظيم، على كلّ حال فإنّهم وفوا بالنذور التي أوجبوها على أنفسهم، وبالأحرى كانوا يحترمون الواجبات الإلهية ويسعون في أدائها، وخوفهم من شرِّ ذلك اليوم، وآثار هذا الإيمان ظاهرة في أعمالهم بصورة كاملة.

ثّم يتناول الصفة الثّالثة لهم فيقول: (ويطعمون الطعام على حبّه مسكيناً ويتيماً وأسيراً).

لم يكن مجرّد اطعام، بل اطعام مقرون بالإيثار العظيم عند الحاجة الماسّة للغذاء، ومن جهة أُخرى فهو إطعام في دائرة واسعة حيث يشمل أصناف المحتاجين من المسكين واليتيم والأسير، ولهذا كانت رحمتهم عامّة وخدمتهم واسعة.

الضمير في (على حبه) يعود إلى (الطعام) أي أنّهم أعطوا الطعام مع احتياجهم له، وهذا شبيه ما ورد في الآية من سورة آل عمران: (لن تنالوا البر حتى تنفقوا ممّا تحبّون).

وقيل: إنّ الضمير المذكور يعود إلى "الله" الوارد في ما سبق من الآيات، أي أنّهم يطعمون الطعام لحبّهم الشديد لله تعالى، ولكن مع الالتفات الى ما يأتي في الآية الآتية يكون المعنى الأوّل أوجه.

ومعنى "المسكين" و"اليتيم" و "الأسير" واضح، إلاّ أنّ هناك أقوالاً متعددة فيما يراد بالأسير؟ قال كثيرون: إنّ المراد الاسرى من الكفّار والمشركين الذين يؤتى بهم إلى منطقة الحكومة الاسلامية في المدينة، وقيل: المملوك الذي يكون أسيراً بيد المالك، وقيل هم السجناء، والأوّل أشهر.

يرد هنا سؤال: كيف جاء ذلك الأسير إلى بيت الإمام علي (ع) طبقاً لما ورد في سبب النزول والمفروض أن يكون سجيناً؟

ويتضح لنا جواب هذا السؤال بالإلتفات إلى أنّ التاريخ يؤكّد عدم وجود سجناء في عهد النبي (ص) حيث كان (ص) يقسّمهم على المسلمين، ويأمرهم بالحفاظ عليهم والإحسان إليهم، فكانوا يطعمونهم الطعام وعند نفاذ طعامهم كانوا يطلبون العون من بقية المسلمين ويرافقونهم في الذهاب الى طلب المعونة، أو أنّ الأَسرى يذهبون بمفردهم لأنّ المسلمين كانوا حينذاك في ضائقة من العيش.

وبالطبع توسعت الحكومة الإسلامية فيما بعد، وازداد عدد الأَسرى وكذلك المجرمين، فاتخذت عندئذ السجون وصار الإنفاق عليهم من بيت المال.

على كل حال فإنّ ما يستفاد من الآية أنّ أفضل الأعمال إطعام المحرومين والمعوزين، ولا يقتصر على اطعام الفقراء من المسلمين فحسب بل يشمل حتى الأسرى المشركين أيضاً وقد أُعْتُبِرَ إطعامهم من الخصال الحميدة للأبرار.

وقد ورد في حديث عن النبي (صلى الله عليه وآله) قال: "استوصوا بالأسرى خيراً وكان أحدهم يؤثر أسيره بطعامه" (8).

والخصلة الرابعة للأبرار هي الإخلاص، فيقول: (إنّما نطعمكم لوجه الله لا نريد منكم جزاءً ولا شكوراً).

إنّ هذا المنهج ليس منحصراً بالإطعام، إذ أنّ جميع أعمالهم خالصة لوجه الله تعالى، ولا يتوقعون من الناس شكراً وتقديراً، وأساساً فإنّ قيمة العمل في الإسلام بخلوص النيّة وإلاّ فإنّ العمل اذا كان بدوافع غير الهية، سواء كان رياءً أو لهوى النفس، أو توقع شكر من الناس أو لمكافآت مادية، فليس لذلك ثمن معنوي وإلهي.

وقد أشار النّبي (صلى الله عليه وآله) إلى ذلك إذ قال: "لا عمل إلاّ بالنيّة وإنّما الأعمال بالنيات".

والمراد من (وجه الله) هو ذاته تعالى، وإلاّ فليس لله صورة جسمانية، وهذا هو ما اعتمده وأكّده القرآن في كثير من آياته، كما في الآية (272) من سورة البقرة: (وما تنفقون إلا ابتغاء وجه الله) والآية (28) من سورة الكهف التي تصف جلساء النبي (صلى الله عليه وآله): (واصبر نفسك مع الذين يدعون ربّهم بالغداة والعشي يريدون وجهه).

ويقول في الوصف الأخير للأبرار: (إنا نخاف من ربّنا يوماً عبوساً قمطريراً) (أي الشديد) من المحتمل أن يكون هذا الحديث لسان حال الأبرار، أو قولهم بألسنتهم.

وجاء التعبير عن يوم القيامة بالعبوس والشديد للإستعارة، إذ أنّها تستعمل في وصف الإنسان الذي يقبض وجهه وشكله ليؤكد على هول ذلك اليوم، أي أنّ حوادث ذلك اليوم تكون شديدة إلى درجة أنّ الإنسان لا يكون فيه عبوساً فحسب، بل حتى ذلك اليوم يكون عبوساً أيضاً.

(قمطريراً): هناك أقوال للمفسّرين في مادته، قيل هو من (القمطر)، وقيل: مشتق من مادة (قطر) - على وزن فرش - والميم زائدة، وقيل هو الشديد، وهو الأشهر (9).

ويطرح هنا سؤال، وهو: إذا كان عمل الأبرار خالصاً لله تعالى، فلم يقولون: إنا نخاف عذاب يوم القيامة؟ وهل يتناسب دافع الخوف من عذاب يوم القيامة مع الدافع الإلهي؟

ويتضح جواب هذا السؤال بالإلتفات إلى أنّ الأبرار يسلكون السبيل على كل حال إلى الله تعالى، وإذا كانوا يخافون من عذاب يوم القيامة فإنّما هو لأنه عذاب إلهي، وهذا هو ما ورد في الفقه في باب النية في العبادة من أنّ قصد القربة في العبادة لا ينافي قصد الثواب والخوف من العقاب أو حتى اكتساب المواهب المادية الدنيوية من عند الله (كصلاة الإستسقاء)، لأنّ كل ذلك يرجع إلى الله تعالى، كالداعي على الداعي، رغم أنّ أعلى مراحل الإخلاص في العبادة تكمن في عدم التعلّق بنعم الجنان أو الخوف من الجحيم، بل يكون بعنوان (حبّ الله).

والتعبير بـ (إنا نخاف من ربّنا يوماً عبوساً قمطريراً) شاهد على أنّ هذا الخوف من الله.

والجدير بالذكر أنّ الوصف الثاني والخامس من الأوصاف الخمسة، يشيران إلى مسألة الخوف.

غاية الأمر أنّ الكلام في الآية الأُولى عن الخوف من يوم القيامة، وفي الثانية الخوف من الله في يوم القيامة، ففي مورد وصف يوم القيامة في أنّ شرّهُ عظيم، ووصفه في مورد آخر بأنّه عبوس وشديد، وفي الحقيقة فإنّ أحدهما يصف عظمته وسعته والآخر شدّته وكيفيته.

وأشارت الآية الأخيرة في هذا البحث إلى النتيجة الإِجمالية للأعمال الصالحة والنيّات الطاهرة للأبرار فيقول: (فوقاهم الله شر ذلك اليوم ولقاهم نضرة وسروراً).

(نضرة): بمعنى البهجة وحسن اللون والسرور الخاص الذي يظهر عند وفور النعمة والرفاه على الانسان، أجل، إنّ لون وجودهم في ذلك اليوم يخبر عن الهدوء والإرتياح، وبما أنّهم كانوا يحسّون بالمسؤولية ويخافون من ذلك اليوم الرهيب، فإنّ الله تعالى سوف يعوضهم بالسرور وبالبهجة.

وتعبير "لقاهم" من التعابير اللطيفة والتي تدلّ على أنّ الله سوف يستقبل ضيوفه الكرام بلطف وسرور خاص وأنّه سوف يجعلهم في سعة من رحمته.

إشباع الجياع من أفضل الحسنات:

ليست هذه الآيات مورد البحث هي الآيات الوحيدة التي عدّت إطعام الطعام من الأعمال الصالحة للأبرار وعباد الله، بل إنّ كثيراً من آيات القرآن اعتمدت هذا المعنى وأكّدت عليه، وأشارت إلى أنّ لهذا العمل محبوبية خاصّة عند الله، وإذا ألقينا نظرة على عالم اليوم والذي يموت فيه بسبب الجوع حسب الأخبار المنتشرة ملايين الأشخاص في كل عام، والحال أنّ بقية المناطق تلقي بالغذاء الكثير في القمامة تتّضح أهمية هذا الأمر الإِسلامي من جهة، وابتعاد عالم اليوم عن الموازين الأخلاقية من جهة أُخرى.

ونورد هنا من باب المثال عدداً من الأحاديث الإسلامية التي أكّدت على هذا الجانب: قال النّبي (صلى الله عليه وآله): "من أطعم ثلاث نفر من المسلمين أطعمه الله من ثلاث جنان في ملكوت السموات" (10).

وفي حديث للإمام الصادق (ع) قال: " من أطعم مؤمناً حتى يشبعه لم يَدْرِ أحد من خلق الله ما له من الأجر في الآخرة، لا ملك مقرب، ولا نبي مرسل إلاّ الله ربّ العالمين" (11).

وفي حديث آخر عنه (ع) قال: "لئن أطعم مؤمناً محتاجاً أحبُّ إليَّ من أن أزوره، ولئن أزوره أحبُّ إليَّ من أن أعتق عشر رقاب" (12).

والجدير بالذكر أنّ الرّوايات لم تؤكّد على إطعام المحتاجين والجياع فحسب، بل صرّحت بعض الروايات أنّ إطعام المؤمنين وإن لم يكونوا محتاجين هو كعتق رقبة العبد، وهذا يدلّ على أنّ الهدف لا يقتصر على رفع الاحتياج، بل جلب المحبّة وتحكيم وشائج المودة بعكس ما هو السائد في عالم اليوم المادي، كدخول صديقين إلى المطعم ودفعهما حساب الطعام كلّ على انفراد وكأنّ استضافة الأفراد سيما إذا كثروا مدعاةً للعجب في تلك المجتمعات!!

وورد في بعض الرّوايات أنّ إطعام الجياع بصورة عامّة من أفضل الأعمال (وإن لم يكونوا مسلمين ومؤمنين) كما جاء في الحديث عن النّبي (صلى الله عليه وآله) إذ قال: "من أفضل الأعمال عند الله إبراد الكباد الحارة وإشباع الكباد الجائعة والذي نفس محمد بيده لا يؤمن بي عبد يبيت شبعان وأخوه - أوقال جاره - المسلم الجائع" (13).

بالرغم من أنّ ذيل هذا الحديث الشريف ذكر اشباع الإنسان المسلم.

ولكنه صدره يشمل كل عطشان وجائع، ولا يبعد اتساع مفهوم الحديث لـ يشمل حتى الحيوانات.

وهناك روايات عديدة في هذا الباب (14).


1- وضّحنا شرحاً مفصلاً حول معنى الأغلال في ذيل الآية (8) من سورة يس.

2- نقلت هذه الرواية في كتاب الغدير، ج 3، ص 107 إلى 111 وفي كتاب إحقاق الحق، ج 3، ص 157 إلى 171 عن 36 نفر من علماء أهل السنّة مع ذكر المأخذ.

3- الدر المنثور، ج 6، ص 297.

4- المصدر السابق.

5- اسم الكتاب (الصوم طريقة حديثة لشفاء الأمراض).

6- احتجاج الطبرسي وخصال الصدوق طبقاً لما نقله الطباطبائي في الميزان ج 20 ص 224.

7- وردت احتمالات عديدة في سبب نصب (عيناً) و أوجه الأقوال هو أنّه منصوب لنزع الخافض وتقديره (من عين) وقيل بدل من (كافوراً) أو منصوب بالإختصاص أو المدح، أو مفعول لفعل مقدر والتقدير (يشربون عيناً) ولكن الأوّل أوجه كما تقدم.

8- "يشرب": يتعدى بالباء وبدونها، ويمكن أن تكون الباء في (بها) بمعنى (من).

9- كامل ابن الأثير، ج 2، ص 131.

10- مفردات الراغب، لسان العرب، المنجد، القرطبي، مجمع البيان.

11- أُصول الكافي، ج 2 باب (إطعام المؤمن) الحديث 3.

12- المصدر السابق، الحديث 6.

13- المصدر السابق، الحديث 18.

14- بحار الأنوار، ج 74، ص 369 والملاحظ أن العلاّمة المجلسي أورد عنواناً في هذا الباب وذكر فيه 113 حديث يتعلق بإطعام المؤمن وإشباعه ولبسه وأداء دينه. ولبعض منها عمومية.