الآيتان 10 - 11

﴿خَلَق السَّمَـوَتِ بِغَيْرِ عَمَد تَرَوْنَهَا وَأَلْقَى فِى الاَْرْضِ رَوَسِىَ أَن تَمِيدَ بِكُمْ وَبَثَّ فِيهَا مِن كُلِّ دَابَّة وَأَنزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً فَأَنبَتْنَا فِيهَا مِن كُلِّ زَوْج كَرِيم (10) هَـذَا خَلْقُ اللهِ فَأَرُونى مَاذَا خَلَقَ الَّذِينَ مِن دُونِهِ بَلِ الظَّـلِمُونَ فِى ضَلَـل مُّبِين (11)﴾

التّفسير

هذا خلق الله:

مواصلة للبحث حول القرآن والإيمان به في الآيات السابقة، تتحدّث الآيتان أعلاه عن أدلّة التوحيد الذي هو أهمّ الاُصول العقائدية.

تشير الآية الاُولى إلى خمسة أقسام من مخلوقات الله التي ترتبط مع بعضها إرتباطاً وثيقاً لا ينفصل، وهي: خلق السماء، وكون الكواكب معلّقة في الفضاء، وخلق الجبال لتثبيت الأرض، ثمّ خلق الدواب، وبعد ذلك الماء والنباتات التي هي وسيلة تغذيتها، فتقول: (خلق السماوات بغير عمد ترونها).

(العَمَد) جمع (عمود)، وتقييد بنائها وإقامتها بـ(ترونها) دليل على أنّه ليس لهذه السماء أعمدة مرئيّة، ومعنى ذلك أنّ لها أعمدة إلاّ أنّها غير قابلة للرؤية، وكما قلنا قبل هذا في تفسير سورة الرعد أيضاً، فإنّ هذا التعبير إشارة لطيفة إلى قانون الجاذبيّة الذي يبدو كالعمود القويّ جدّاً، إلاّ أنّه غير مرئيّ، يحفظ الأجرام السماوية.

وقد صُرّح في حديث رواه حسين بن خالد، عن الإمام علي بن موسى الرضا(ع)، أنّه قال: "سبحان الله! أليس الله يقول: (بغير عمد ترونها؟)" قلت: بلى، قال: "ثمّ عمد ولكن لا ترونها"(1) (2).

وعلى كلّ حال، فإنّ الجملة أعلاه أحد معاجز القرآن المجيد العلميّة، وقد أوردنا تفصيلا أكثر عنها في ذيل الآية (رقم 2) من سورة الرعد.

ثمّ تقول الآية في الغاية من خلق الجبال: (وألقى في الأرض رواسي أن تميد بكم)(3).

إنّ هذه الآية التي لها نظائر كثيرة في القرآن، توضّح أنّ الجبال وسيلة لتثبيت الأرض، وقد تثبت هذه الحقيقة اليوم من الناحية العلميّة من جهات عديدة:

فمن جهة أنّ أُصولها مرتبطة مع بعضها، وهي كالدرع المحكم يحفظ الكرة الأرضية أمام الضغوط الناشئة من الحرارة الداخلية، ولولا هذه الجبال فإنّ الزلازل المدمّرة كانت ستبلغ حدّاً ربّما لا تدع معه للإنسان مجالا للحياة.

ومن جهة أنّ هذه السلسلة المحكمة تقاوم جاذبية القمر والشمس الشديدة، وإلاّ فسيحدث جزر ومدّ عظيمان في القشرة الأرضية أقوى من جزر ومدّ البحار، وتجعل الحياة بالنسبة للإنسان مستحيلة.

ومن جهة أنّها تقف سدّاً أمام العواصف والرياح العاتية، وتقلّل من تماسّ الهواء المجاور للأرض عند دوران الأرض حول نفسها إلى أقلّ حدّ، ولو لم تكن هذه الجبال لكان سطح الأرض كالصحاري اليابسة، وعرضة للأعاصير والزوابع المهلكة، والعواصف الهوجاء المدمّرة ليل نهار(4).

وبعد ذكر نعمة إستقرار السماء بأعمدة الجاذبية.

وإستقرار وثبات الأرض بواسطة الجبال، تصل النوبة إلى خلق الكائنات الحيّة وإستقرارها، بحيث تستطيع أن تضع أقدامها في محيط هاديء مطمئن، فتقول: (وبثّ فيها من كلّ دابّة).

إنّ التعبير بـ (من كلّ دابّة) إشارة إلى تنوّع الحياة في صور مختلفة، إبتداءً من الكائنات الحيّة المجهرية والتي ملأت جميع الأرجاء إلى الحيوانات العملاقة والمخوفة.

وكذلك الحيوانات المختلفة الألوان، والمتفاوتة الأشكال التي تعيش في الماء والهواء من الطيور والزواحف، والحشرات المختلفة وأمثالها، والتي لكلّ منها عالمها الخاصّ تعكس الحياة في مئات الآلاف من المرايا.

إلاّ أنّ من المعلوم أنّ هذه الحيوانات تحتاج إلى الماء والغذاء، ولذلك فإنّ الجملة التالية أشارت إلى هذا الموضوع، فقالت: (وأنزلنا من السماء ماءً فأنبتنا فيها من كلّ زوج كريم).

وبهذا فإنّ الآية تبيّن أساس حياة كلّ الحيوانات - وخاصّة الإنسان - والذي يكوّنه الماء والنبات، فالكرة الأرضية تعتبر سماطاً واسعاً ذا أغذية متنوّعة يمتدّ في جميع أنحائها، ويصلح لكلّ نوع منها حسب خلقته، ممّا يدلّ على عظمة الخالق جلّ وعلا.

وممّا يستحقّ الإنتباه هو أنّه في بيان خلق الأقسام الثلاثة الاُولى ذكرت الأفعال بصيغة الغائب، وحين وصل الأمر إلى نزول المطر ونمو النباتات أتت الأفعال بصيغة المتكلّم، فيقول: نحن أنزلنا من السماء ماءً، ونحن أنبتنا النباتات في الأرض.

وهذا بنفسه أحد فنون الفصاحة، حيث إنّهم عندما يريدون ذكر اُمور مختلفة، فإنّهم يبيّنونها بشكلين أو أكثر، كي لا يشعر السامع بأيّ نوع من الضجر والرتابة، إضافةً إلى أنّ هذا التعبير يوضّح أنّ نزول المطر ونمو النبات كانا محطّ إهتمام خاصّ.

ثمّ تشير هذه الآية مرّة اُخرى إلى مسألة (الزوجيّة في عالم النباتات) وهي أيضاً من معجزات القرآن العلميّة، لأنّ الزوجيّة - أي وجود الذكر والاُنثى - في عالم النباتات لم تكن ثابتة في ذلك الزمان بصورة واسعة، والقرآن كشف الستار عنها.

ولزيادة التفصيل حول هذه المسألة يمكنكم مراجعة ذيل الآية (رقم 7) من سورة الشعراء.

ثمّ إنّ وصف أزواج النباتات بـ"الكريم" إشارة ضمنية إلى أنواع المواهب الموجودة فيها.

بعد ذكر عظمة الله في عالم الخلقة، وذكر صور مختلفة من المخلوقات، وجّهت الآية الخطاب إلى المشركين، وجعلتهم موضع سؤال وإستجواب، فقالت: (هذا خلق الله فأروني ماذا خلق الذي من دونه) ؟!

من المسلّم أنّ اُولئك لم يكونوا يستطيعون ادّعاء كون أيّ من المخلوقات من خلق الأصنام، وعلى هذا فإنّهم كانوا يقرّون بتوحيد الخالق، مع هذا الحال كيف يستطيعون تعليل الشرك في العبادة؟! لأنّ توحيد الخالق دليل على توحيد الربّ وكون مدبّر العالم واحداً، وهو دليل على توحيد العبوديّة.

ولذلك اعتبرت الآية عمل اُولئك منطبقاً على الظلم والضلال، فقالت: (بل الظالمون في ضلال مبين).

ومعلوم أنّ "الظلم" له معنىً واسعاً يشمل وضع كلّ شيء في غير موضعه، ولمّا كان المشركون يربطون العبادة، وتدبير العالم أحياناً بالأصنام، فإنّهم كانوا مرتكبين لأكبر ظلم وضلالة.

ثمّ إنّ التعبير أعلاه يتضمّن إشارة لطيفة إلى إرتباط "الظلم" و "الضلال"، لأنّ الإنسان عندما لا يعرف مكانة الموجودات الموضوعية في العالم، أو يعرفها ولا يراعيها، ولا يرى كلّ شيء في مكانه، فمن المسلّم أنّ هذا الظلم سيكون سبباً للضلالة والضياع.


1- تفسير البرهان، المجلّد 2، صفحة 278.

2- إنّ الذين اعتبروا الآية أعلاه دليلا على نفي العمد مطلقاً لابدّ لهم من التقديم والتأخير في الآية ليقولوا: إنّ أصل الجملة كانت: خلق السماوات ترونها بغير عمد، وهذا خلاف الظاهر قطعاً.

3- "تميد" من (الميد) أي تزلزل الأشياء وإضطرابها إضطراباً عظيماً، وجملة (أن تميد بكم) في تقدير: لئلاّ تميد بكم.

4- لمزيد الإطلاع حول فوائد الجبال راجع ذيل الآية (3) من سورة الرعد.