الآيتان 44 - 45

﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيباً مِّنَ الْكِتَـبِ يَشْتَرُونَ الضَّلَـلَةَ وَيُرِيدُونَ أَن تَضِلُّوا السَّبِيلَ * وَاللهُ أَعْلَمُ بِأَعْدَآئِكُمْ وَكَفَى بِاللهِ وَلِيّاً وَكَفَى بِاللهِ نَصِيراً﴾

التّفسير

في هذه الآيات يخاطب الله سبحانه نبيّه الكريم بعبارة حاكية عن التعجب والإِستغراب قائلا: (ألم تر إِلى الذين أتوا نصيباً من الكتاب يشترون الضلالة ويريدون أن تضلوا السبيل) أي عجيب أمر هؤلاء الذين أُتوا نصيباً من الكتاب السماوي، ولكنهم بدل أن يقوموا بهداية الآخرين وإِرشادهم في ضوء ما أوتوا من الهدى، فإِنّهم يشترون الضلالة لأنفسهم ويريدون أن تضلوا أنتم أيضاً.

وبهذا الطريق فإِنّ ما نزل لهدايتهم وهداية الآخرين تحول إِلى وسيلة لضلالهم وإضلال الآخرين بسوء نيّتهم، لأنّهم لم يكونوا أبداً بصدد الحقيقة، بل كانوا ينظرون إِلى كل شيء بمنظار النفاق والحسد والمادية السوداء.

ثمّ يقول سبحانه: إِنّ هؤلاء وإِن تظاهروا بمظهر الأصدقاء لكم إِلاّ أنّهم أعداؤكم الحقيقيون (والله أعلم بأعدائكم).

وأية عداوة أشدُّ وأكثر من أن يكرهوا هدايتكم ويخالفوا سعادتكم، تارة باللسان وتارة عن طريق إِظهار النصح، وثالثة عن طريق الذم، ويجتهدون في تحقيق أهدافهم المشؤومة في كل ظرف وزمان بنحو خاص، وشكل معين.

ولكن لا تخافوا عداوتهم أبداً ولا تستوحشوا لمواقفهم المعادية فلستم وحدكم في الميدان، فكفاكم أنّ الله قائدكم ووليكم وناصركم: (وكفى بالله ولياً وكفى بالله نصيراً).

لأنّه لا يمكنهم أن يفعلوا شيئاً، فإذا تجاهلتم أحاديثهم ووساوسهم لم يبق أي مجال للخوف والقلق.

ثمّ إنّه يستفاد من عبارة: (أوتوا نصيباً من الكتاب) أنّ ما كان عندهم من الكتاب لم يكن كل ما في الكتاب السماوي "التوراة"، بل كان بعضه وقسماً منه، وهذا يتفق مع حقائق التاريخ المسلمة أيضاً، تلك الحقائق التي تؤكد ضياع أو تحريف أقسام من التوراة الحقيقية مع مضي الزمن.