• الدرس الخامس عشر: منهج التفسير الإشاري (1) منهج العرفاء والمتصوّفين
- عدد القراءات: 3277 - نشر في: 28--2013م

الدرس الخامس عشر: منهج التفسير الإشاري (1) منهج العرفاء والمتصوّفين

 

أهداف الدرس

1-أن يتعرّف الطالب إلى المنهج العرفاني الإشاري.

2-أن يعدِّد على أهمّ التفاسير العرفانية والإشارية.

 

تمهيد

المنهج الإشاري هو أحد المناهج القديمة في التفسير. وقد عُرِف بأسماء متنوّعة، مثل التفسير الباطني، العرفاني، الشهودي، والرمزي، وكل من هذه الأسماء يشير إلى نوع خاص من هذا التفسير. وهناك اختلاف كبير في وجهات النظر بين المفسّرين والمحقّقين بالنسبة إلى هذا المنهج وأنواعه. فهناك من ارتضى بعض أقسامه واستفاد منه، ومنهم من رفضه واعتبره من التأويل والباطن. ولتوضيح هذه المسألة وتمييز المنهج الصحيح من غير الصحيح في التفسير الإشاري لا بدّ من دراسته بصورة دقيقة، وسوف نقوم في هذا الدرس بمناقشة التفسير الإشاري وأنواعه ومعاييره مع ذكر بعض الأمثلة المتعدّدة.

 

معنى المنهج الإشاري في التفسير

الإشارة لغةً بمعنى العلامة والإيماء والّذي يعني اختيار أمر من الأمور (من القول أو العمل أو الرأي). وقد وردت هذه الكلمة في القرآن، كما في الآية ﴿فَأَشَارَتْ إِلَيْهِ﴾(1) أي اختيار شيء وإرجاع لهم إليه.

 

أما في الاصطلاح فالإشارة تعني أن يستفاد شيء من الكلام دون أن يكون موضوعاً له. والإشارة قد تكون حسّية كما هو الحال في ألفاظ الإشارة مثل (هذا)، وقد تكون ذهنية كالإشارة للمعنى في الكلام، بحيث لو أراد التصريح به للزمه الكثير من الكلام. ثمّ إنّ الإشارة قد تكون ظاهرة وقد تكون خفيّة.

 

وعلى هذا يكون المراد من التفسير الإشاري هو ما يطلق على الإشارات الخفيّة الموجودة في آيات القرآن، والّتي تعتمد على أساس العبور من ظواهر القرآن والأخذ بالباطن، أي استخراج وفهم وتوضيح نكتة من الآية لا توجد في ظواهر الآية عن طريق دلالة الإشارة(2).

 

وبسبب تعدُّد أنواع التفسير الإشاري، كالتفسير الرمزي، العرفاني، الصوفي، الباطني، والشهودي، فقد تنوّعت التعاريف تبعاً لذلك، وهذا ما سيتبين لنا من خلال ما سيأتي.

 

الواقع التاريخي لهذا المنهج

يرجع تأريخ بعض أقسام التفسير الإشاري كالتفسير الباطني إلى صدر الإسلام، أي إنّ جذور هذا المنهج توجد في أقوال وكلام النبيّ (ص) وأهل البيت عليهم السلام حيث روي عنهم: أنّ القرآن له ظاهر وباطن(3). وقد أشارت بعض الأحاديث إلى هذا النحو من التفسير فقد روي في الحديث: "أنّ كتاب الله عزّ وجلّ على أربعة أشياء: على العبارة والإشارة واللطائف والحقائق؛ فالعبارة للعوام، والإشارة للخواص، واللطائف للأولياء، والحقائق للأنبياء"(4).

 

وبسبب قبول جميع المسلمين بكون القرآن له باطن عميق، ومعانٍ دقيقة ويحتوي على الإشارات والكنايات، فقد أصبح الطريق مفتوحاً لهذا النوع من التفاسير، حتّى أنّ ابن عربي كتب: فكما أنّ تنزيل أصل القرآن على النبيّ (ص) كان من قبل الله فإنّ تنزيل فهمه على قلوب المؤمنين من قبل الحقّ تعالى.

 

وقد اهتمّ بعض العرفاء والصوفيه ببعض الأنواع من التفسير الإشاري مثل التفسير الرمزي والشهودي والصوفي والعرفاني فيما بعد، ودوّنوا كتباً متعدّدة في هذا المجال.

 

واعتبر العلّامة الطباطبائي أنّ بداية هذا المنهج تعود إلى القرن الثاني والثالث الهجري، أي بعد ترجمة الكتب الفلسفية اليونانية إلى اللغة العربية(5).

 

أهمّ تفاسير الصوفيّة وأهل العرفان

1-تفسير التستري

بدأ التفسير الباطني اعتماداً على تأويل الآيات منذ القرن الثالث على يد أبي محمّد سهل بن عبد الله التستري (200 283ه-). فإنّ له تفسيراً على طريقة الصوفية جمعه أبو بكر محمّد بن أحمد البلديّ، وطبع في مصر سنة 1908.

 

وكان التستري من كبار العارفين، وقد ذُكرت له كرامات، أقام في البصرة زمناً طويلاً، وتوفي فيها. لم يتعرّض لتفسير جميع القرآن، بل تكلّم عن آيات محدودة ومتفرّقة من كلّ سورة، ونجده أحياناً لا يقتصر على التفسير الإشاري وحده، بل ربّما ذكر المعاني الظاهرة ثمّ يعقّبها بالمعاني الإشارية. ومن ذلك تفسيره للآية ﴿وَالْجَارِ ذِي الْقُرْبَى وَالْجَارِ الْجُنُبِ وَالصَّاحِبِ بِالجَنبِ وَابْنِ السَّبِيلِ﴾(6) حيث يقول بعد ذكره للتفسير الظاهر: وأمّا باطنها، فالجار ذي القربى هو القلب، والجار الجنب هو الطبيعة، والصاحب بالجنب هو العقل المقتدي بالشريعة، وابن السبيل هو الجوارح المطيعة لله(7).

 

2- حقائق التفسير للسُّلَميّ

ثاني تفاسير الصوفيّة الّتي ظهرت إلى الوجود، تفسير أبي الرحمن السُّلَميّ، المسمّى ب- "حقائق التفسير". هو أبو عبد الرحمن محمّد بن الحسين بن موسى الأزدي السُّلَميّ (330- 412ه-). كان شيخ الصوفيّة ورائدهم بخراسان، وله اليد الأولى في التصوّف، وكان على جانب كبير من العلم بالحديث، أخذ منه الحاكم النيسابوريّ والقشيريّ صاحب التفسير.

 

وهذا التفسير من أهمّ تفاسير الصوفيّة، ويعدُّ من أمّهات المراجع للتفسير الباطني لمن تأخّر عنه، وهو امتداد للتفسير الصوفيّ الّذي ابتدعه التستري من ذي قبل.

 

غير أنّ الاقتصار على المعاني الإشاريّة، والإعراض عن المعاني الظاهرة في هذا التفسير، ترك للعلماء مجالاً للطعن عليه، ولقي معارضات شديدة من معاصريه وممّن أتوا بعده، فاتّهم بالابتداع والتحريف، ووضع الأحاديث على الصوفيّة.

 

فقد حكم بعضهم بأنّ هذا التفسير إذا كان صاحبه يعتقد أنّه تفسير للقرآن فقد كفر، وقال أخر بأنّ فيه وضعاً واختلاقاً، وما روي فيه عن جعفر بن محمّد الصادق (ع) عامّته كذب على جعفر، وقال ثالث بأنّه جاء فيه بمصائب وتأويلات الباطنية(8).

 

ومن تأويلات السُّلميّ قال في الآية ﴿وَلَوْ أَنَّا كَتَبْنَا عَلَيْهِمْ أَنِ اقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ أَوِ اخْرُجُواْ مِن دِيَارِكُم مَّا فَعَلُوهُ إِلاَّ قَلِيلٌ مِّنْهُمْ﴾(9)، اقتلوا أنفسكم بمخالفة هواها، أو اخرجوا من دياركم، أي أخرجوا حبّ الدنيا من قلوبكم، ما فعلوه إلّا قليل منهم في العدد، كثير في المعاني وهم أهل التوفيق والولايات الصادقة(10).

 

وفي قوله تعالى: ﴿فِيهَا فَاكِهَةٌ وَالنَّخْلُ ذَاتُ الْأَكْمَامِ﴾(11) يقول: قال جعفر: جعل الحقّ تعالى في قلوب أوليائه رياض أُنسه، فغرس فيها أشجار المعرفة، أصولها ثابتة في أسرارهم، وفروعها قائمة بالحضرة في المشهد، فهم يجنون ثمار الأنس في كلّ أوان...(12)

 

3-لطائف الإشارات للقشيري

هو أبو القاسم عبد الكريم بن هوازن القشيري النيسابوريّ، ولد في نيسابور (376ه-)، طلب العلم فبرع فيه ولا سيّما في الفقه والحديث والأدب والأصول والتفسير، درس على يد عبد الرحمن السُّلَميّ.

 

وتفسيره هذا امتداد للتفسير الصوفيّ الباطني، معتمداً في أكثر الأحيان على تأويلات قد ينبو عنها ظاهر لفظ الآية الكريمة، وحاول في هذا التفسير أن يبرهن على أنّ كلّ صغيرة وكبيرة في علوم الصوفيّة، فإنّ لها أصلاً في القرآن الّذي ورد فيه مصطلحات للصوفيّة مثل: الذكر والتوكّل والرضا، والوليّ والولاية والحقّ، والظاهر والباطن..

 

من تفسيراته: يقول عند قوله تعالى: ﴿وَعَهِدْنَا إِلَى إِبْرَاهِيمَ وَإِسْمَاعِيلَ أَن طَهِّرَا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَالْعَاكِفِينَ وَالرُّكَّعِ السُّجُودِ﴾(13) يقول: الأمر في الظاهر بتطهير البيت، والإشارة من الآية إلى تطهير القلوب. وتطهير البيت بِصَوْنه عن الأدناس والأوضار، وتطهير القلب بحفظه عن ملاحظة الأجناس والأغيار. وطواف الحجّاج حول البيت معلوم بلسان الشرع، وطواف المعاني معلوم لأهل الحقّ، فقلوب العارفين المعاني فيها طائفة، وقلوب الموحّدين الحقائق فيها عاكفة...(14)

 

4-كشف الأسرار وعدّة الأبرار (تفسير الميبديّ)

وهو المعروف بتفسير الخواجا عبد الله الأنصاري الّذي وضع هذا التفسير، ثمّ بسطه ووضّح مبانيه المولى أبو الفضل رشيد الدِّين الميبديّ.

 

والخواجا هو أبو إسماعيل عبد الله بن محمّد بن عليّ بن محمّد الأنصاري الهروي، من ذريّة صاحب النبيّ (ص) أبي أيوب الأنصاري، ولد بهراة (396 481ه-) وقبره مزار مشهود هناك. يُعتبر هذا التفسير من أكبر وأضخم التفاسير الّتي كتبت على الطريقة العرفانيّة الصوفيّة، في عشرة مجلّدات ضخام (باللغة الفارسية).

 

وكان منهجه السير في ثلاث نوبات: الأولى: في التفسير الظاهري على حدّ الترجمة الظاهريّة، والثانية: في بيان وجوه المعاني والقراءات وأسباب النزول، وبيان الأحكام وذكر الأخبار، والثالثة: في بيان الرموز والإشارات العرفانية(15).

 

5- تفسير ابن عربي (560- 638ه-).

 

6- عرائس البيان في حقائق القرآن لأبي محمّد الشيرازي (ت: 666ه-).

 

7-التأويلات النجمية لنجم الدِّين داية (ت: 654ه-) وأكمله علاء الدِّين السمناني (ت: 736ه-)(16).

 

المؤاخذات على التفاسير الصوفية والعرفانية

 

أهمّ ما يؤخذ على هذه التفاسير، هو ابتناؤها على الذوق والسليقة والأذواق والسلائق، بما أنّها أحاسيس شخصيّة، فإنّها تختلف حسب المذاقات ومعطيات الأشخاص ولا تتّفق على معيار عام شامل.

 

وإن شئت قلت: إنّهم يرون مذاقاتهم في فهم النص، إلهامات وإشراقات لمعت بها خواطرهم أو سوانح وردت عليهم حسب استعداداتهم في تلقّي الفيوضات من الملأ الأعلى.

 

والإلهام والإلماع، إدراك شخصيّ بحت. وهي تجربة روحية وشخصيّة لا مستند لاعتبارها سوى عند صاحب التجربة فحسب.

 

ومن ثمّ ترى تفاسير أهل الذوق العرفاني قلّما تتّفق ولو في تفسير آية واحدة على نهج سويّ وعلى تأويل متوازن لا تعريج فيه.. ولا مبرّر له سوى ما نبّهنا عليه أنّها ليست من التفسير ولا من التأويل، وإنّما هي واردات قلبيّة.

 

مثال على ذلك: نجد القشيري يفسّر البسملة في كلّ سورة غير تفسيرها في سائر السور.. بناءً منه على أنّها آية من كلّ سورة، وكلّ آية هي تجلّ لنعت من نعوته تعالى: ولا تكرار في التجلّي، فيجب أن تكون في كلّ سورة بمعنى غير معناها في سائر السور(17).

 

خلاصة الدرس

-المنهج الإشاري في التفسير هو أحد المناهج القديمة في التفسير.

 

-المنهج الإشاري له أسماء متعدِّدة مثل: التفسير الباطني، العرفاني، الشهودي...

 

-المراد من التفسير الإشاري هو ما يطلق على الإشارات الخفية الموجودة في آيات القرآن الكريم، والّتي تعتمد على أساس العبور من ظواهر القرآن والأخذ بالباطن.

 

-المنهج الإشاري له امتداد في التاريخ حيث يرجع إلى صدر الإسلام، وله جذور في أقوال النبيّ (ص) وأهل بيته عليهم السلام.

 

-تعود بداية هذا المنهج إلى القرن الثاني والثالث الهجري.

 

-أهمّ تفاسير الصوفية:

 

1- تفسير التستري.

 

2- حقائق التفسير للسُّلَميّ.

 

3- لطائف الإشارات للقشيري.

 

4- كشف الأسرار وعدّة الأبرار (الخوجا عبد الله الأنصاري).

 

5- تفسير ابن عربي.

 

-من أهمّ المؤاخذات على التفاسير الصوفيّة والعرفانيّة هو ابتناؤها على الذوق والسليقة والّتي هي أحاسيس شخصيّة.


 

1- سورة مريم، الآية: 29.

2- دروس في المناهج والاتجاهات التفسيريّة، محمّد علي الرضائي، ص 192، نقلاً عن أصول التفسير وقواعده، خالد عبد الرحمن العكّ، ص 205ـ 206.

3- بحار الأنوار، العلّامة المجلسيّ، ج 92، ص 95.

4- م. ن، ج 92، ص20 وج 78، ص 278.

5- تفسير الميزان، العلّامة الطباطبائي، ج 1، ص 705.

6- سورة النساء، الآية: 36.

7- تفسير التستري، ص 45، نقلناه عن التفسير والمفسّرون، الشيخ محمّد هادي معرفة، ج 2، ص 936.

8- أنظر: م. ن، ج 2، ص 964 965.

9- سورة النساء، الآية: 66.

10- تفسير السُّلَميّ، ص 49، تقلناه عن التفسير والمفسّرون، ج 2، ص 966.

11- سورة الرحمن، الآية: 11.

12- تفسير السُّلَميّ، ص 344، نقلناه عن التفسير والمفسّرون، الشيخ محمّد هادي معرفة، ج 2، ص 976.

13- سورة البقرة، الآية: 125.

14- لطائف الإشارات، ج 1، ص 136، نقلاً عن التفسير والمفسّرون، ج 2، ص 969.

15- أنظر: التفسير والمفسّرون، الشيخ محمّد هادي معرفة، ج 2ـ ص 971 973.

16- أنظر: التفسير والمفسّرون، الشيخ محمّد هادي معرفة، ج 2، ص 984 998.

17- أنظر: م. ن، ج 2، ص 953 954.

المـكـتـبـــة المسـمـوعــــة
المـكـتـبـــة المـرئــيــــة

تنويه: آراءُ الكُتَّاب والمؤلّفين ومنقولاتُهم لا تُعبِّر بالضّرورة عن رأي حوزة الهدى للدّراسات الإسلاميّة

عداد الزوار
46874512

مواقع تابعة


إصداراتنا المعروضة للبيع


© 2007-2015 حوزة الهدى للدراسات الإسلامية